ويستحب إحياء خمس عشرة ليلة في السنة خمس منها في شهر رمضان وهي وتر ليالي العشر الأخير منه وليلة سبع عشرة من رمضان هي صبيحة يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فيه كانت وقعة بدر وكان ابن الزبير يذهب إلى أنها ليلة القدر وأما التسعة الأخر فأوّل ليلة من شهر المحرم وليلة عاشوراء وأوّل ليلة من شهر رجب وليلة النصف منه وليلة سبع وعشرين منه وفيه أسري برسول الله ﷺ ليلة المعراج وليلة عرفة وليلة العيدين وليلة النصف من شعبان وقد كانوا يصلون في هذه الليلة مائة ركعة بألف مرة: قل هو الله أحد عشرًا في كل ركعة ويسمون هذه الصلاة صلاة الخير ويتعرفون بركتها ويجتمعون فيها وربما صلوها جماعة.
وروينا عن الحسن قال: حدثني ثلاثون من أصحاب النبي ﷺ أن من صلّى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله ﷿ إليه سبعين نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة، وقد قيل: إن هذه الليلة هي التي قال الله ﷿ فيها (فيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ) الدخان: ٤، وأنه ينسخ فيها أمر السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها من قابل والله أعلم، والصحيح من ذلك عندي أنه في ليلة القدر وبذلك سميت لأن التنزيل يشهد له إذ في أوّل الآية إنا أنزّلناه في ليلة مباركة ثم وصفها فقال: فيها يفرق كل أمر حكيم، فالقرآن انما أنزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة لقوله ﷿: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر: ١.
ذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة وهي تسعة عشر يومًا تستحب فيها مواصلة الأوراد والدأب في العبادة يوم عاشوراء ويوم عرفة ويوم سبعة وعشرين من رجب ويوم سبعة عشر من شهر رمضان ويوم النصف من شعبان ويوم الجمعة ويوم العيد والأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة والأيام المعدودات وهي أيام التشريق، وفي الخبر صوم يوم عرفة يكفر سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة، وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة.
[ ١ / ١١٤ ]
وقد روينا عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ: إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة وقال بعض علمائنا: من أخذ مهناه في هذه الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناه في الآخرة وقال هذه الأيام يرجى فيها الفضل من الله ﷿ والمزيد، فإذا اشتغلت فيها بهواك وعاجل الدنيا فمتى ترجو الفضل والمزيد يعني بالأيام الخمسة العيدين ويوم الجمعة ويوم عرفة ويوم عاشوراء، ومن فواضل الأيام بعد هذه يوم الاثنين ويوم الخميس يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله ﷿، ومن الفاضل الشهور الأربعة الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب خصهن الله ﷿ بالنهي عن الظلم فيهن لعظم حرمتهن، فكذلك الأعمال لها فيهن فضل على غيرها وأفضلها ذو الحجة لوقوع الحج فيه ولما خصّ به من الأيام المعلومات والأيام المعدودات ثم ذو القعدة لجمعه الوصفين معًا وهو من الأشهر الحرم ومن أشهر الحج فأما المحرم ورجب فليسا من أشهر الحج، وأما شوّال فليس من أشهر الحرم ولكنه من أشهر الحج وأفضل الأيام في الشهر العشران العشر الآخر والعشر الأوّل من ذي الحجة وبعدهما عشر المحرم من أوله فالأعمال في هذه الأيام لها فضل ومزيد على سائر الشهور.
وروينا عن رسول الله ﷺ: من صام ثلاثة أيام من شهر حرام بعده الله من النار سبعمائة عام يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت، وفي خبر آخر صوم يوم من شهر حرام يعدل صوم ثلاثين يومًا من غيره، وصوم يوم من شهر رمضان يعدل صوم ثلاثين يومًا من شهر حرام، ثم إن أفضل الأوقات في جملة الأيام أوقات الصلوات الخمس.
وروينا أن رسول الله ﷺ كان إذا دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان طوى الفراش وشد المئزر، وفي حديث آخر: إذا دخلت العشر الأواخر دأب وأدأب أهله يعني أدام وأداموا التعب والنصب في العبادة، وفي الخبر عن رسول الله ﷺ ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله ﷿ من أيام عشر ذي الحجة، إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه يعدل قيام ليلة القدر، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع منهما بشيء، وفي لفظٍ آخر إلا من عقر جواده وأُهْرِقَ دمه، واذا أحب الله ﷿ عبدًا استعمله في الأوقات الفاضلة بأفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب وإذا مقت عبدًا استعمله بأسوأ الأعمال في أفاضل الأوقات ليضاعف له السيّئات بانتقاص حرمات الشعائر وانتهاك المحرمات في الحرمات، ويقال من علامات التوفيق ثلاث: دخول أعمال البرّ عليك من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها، وفتح باب اللجا والافتقار إلى الله ﷿ في الشدة والرخاء، ومن علامات الخذلان ثلاث: تعسر الخيرات عليك مع الطلب لها، وتيسر المعاصي لك مع الرهب منها وغلق باب اللجا والافتقار إلى الله ﷿، في كل حال فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار.
[ ١ / ١١٥ ]