كتاب محاسبة النفس ومراعاة الوقت
قال اللَّه ﷿: (وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِىامَةِ) الأنبياء: ٤٧ إلى قوله: (أَتَيْناَ بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبين) الأنبياء ٤٧ وقرئت: آتينا بها ممدودة أي جازينا بها فالتخويف بهذا الحرف أشد وأبلغ، وقال تعالى يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم الآية، وأوصى أبو بكر عمر ﵄ عند موته، فقال: إن الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء وإن الباطل خفيف وهومع خفته وبيء وإن للَّه ﷿ حقًا بالنهار لا يقبله بالليل وحقًا بالليل لايقبله بالنهار وإنك لو عدلت على الناس كلهم وجرت على واحد منهم لمال جورك بعدلك فإن حفظت وصيتي لم يكن شئ أحبّ إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتي لم يكن شيء أبغض إليك من الموت ولن تعجزه، وقال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر على اللَّه تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية وإنما خف الحساب في الآخرة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وثقلت موازين قوم في الآخرة وزنوا أنفسهم في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلًا، فمحاسبة النفس تكون بالورع والموازنة تكون بمشاهدة اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد، وأوصى رسول الله ﷺ أبا ذر فقال له: اتق اللَّه أينما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن، ووجدت هذه الوصية في كتاب اللَّّّه ﷿ لعباده بقوله ﷿: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم وَإيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه) النساء: ١٣١.
والكلمة الثانية في قوله تعالى: (وَيَدْرَءونَ بِالحَسَنِةَ السَّيِّئَةَ) الرعد: ٢٢ أي يدفعون بعمل الحسنة ويتبعونها السيئة المتقدمة تكفرها، والكلمة الثالثة في قوله تعالى: وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْنًا) البقرة: ٨٣ وقد أخبر اللَّه ﷿ عن وصية عباده الصالحين بثلاث فقال: (إنَّ الإنْساَنَ لَفِي خُسْرٍ) العصر: ٢ أي لفي خسران ونقص بفوت أوقاته وفقد أرباحه، ثم استثنى فقال: إلاَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ وَتَواصَوْا بالحَقِّ وَتَوَاصَّوْا بِالصَّبْرِ) العصر: ٣.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال في الوصف الثالث: (وَتَوَاصَوْا بِالمَرْحَمِةَ) البلد: ١٧ واتباع الحق بمخالفة الهوى فيه الصلاح، إذ في موافقة الهوى الفساد، والصبر قوام الأمر، وبمقداره يكون الريح والرحمة للخلق باب الرحمة من الخالق ومفتاح حسن الخلق ومعها حسن الظن وسلامةالقلب وعندها ينتفي الحسد والغل ويوجد التواضع والذل، وهذا وصف أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم لصحبة نبيه ﵇ وأنزل عليهم السكينة وأيدهم بروح منه فقال: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُم) الفتح: ٢٩ وقال تعالى في حقيقة الرحمة: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة) الاسراء: ٢٤ وقال في مثله عن وصف أحبابه لإخوانهم: أذلة على المؤمنين، فهذه الثلاثة مفاتيح رقة القلب ومغالق القسوة وفي الرقة الإقبال على اللَّه ﷿ وعلى الدار الآخرة والتيقظ لأمره والتفكّر في وعده ووعيده وفي القسوة الإعراض وطول الغفلة فمحاسبة النفس تكون بالورع وموزنتها تكون بمشاهدة عين اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد.
وروينا عن علي ﵁: أما بعد فإن المرء يسره درك مالم يكن ليفوته ويسوءه فوت مالم يكن ليدركه، فمانا لك من دنياك فلا تكترث به فرحًا وما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفًا وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ماخلفت وشغلك لآخرتك وهمك فيما بعد الموت، وقال أيضًا: الهوى شريك العمى، ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة ونعم طارد الهم اليقين وعاقبة الكذب الذم وفي الصدق السلامة، رب بعيد أقرب من قريب وغريب من لم يكن له حبيب والصديق من صدق غيبه ولايعدمك من حبيب سوء الظن، نعم الخلق التكرم والحياء سبب إلى كل جميل وأوثق العرى التقوى وأوثق سبب أخذت به نفسك سبب بينك وبين اللَّه ﷿ إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك والرزق رزقان، رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك وإن كنت جازعًا على ما أتلفت من يديك فلا تجْزَعَنَّ على مالم يصل إليك واستدلل على مالم يكن بما كان فإن الأمور أشباه، وقال عبد اللَّه بن عباس: لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان وآفة العبادة الكسل وآفة اللب العجب وآفة الظرف الصلف وآفة التجارة الكذب وآفة السخاء التبذير، وآفة الجمال الخيلاء وآفة الدين الرياء وآفة الإسلام الهوى، وقال رسول الله ﷺ: آفة أمتي الدينار والدرهم، وروينا عن وبرة السلمي عن مجاهد قال: أوصاني ابن عباس بخمس لهن أحسن من الدرهم الموقوف ومن الذهب الموصوف قال: لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أقرب لك من السلامة ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى له موضعًا، فربّ متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فلقي عنتًا، ولا تمارين حليمًا ولاسفيهًا أما الحليم فيقليك وأما السفيه فيؤذيك، واخلف أخاك إذا غاب عنك بمثل ماتحب أن يخلفك به إذا غبت عنه واعفه مما تحب أن يعفيك منه واعمل بعمل رجل يعلم أنه مكافأ بالإحسان مأخوذ بالإساءة، وفي وصية العباس لابنه عبد اللَّه قال: يا بني إني أرى هذا
[ ١ / ١٣٨ ]
الرجل يقدمك على الأشياخ ويكرمك فاحفظ عني هذه الخصال لا تفشين له سرًّا ولا تعصين له أمرًا ولاتغتابنّ عنده أحدًا ولا يطلعن منك على خيانة ولا يجربن عليك كذبة، هذا في روايتين دخلت إحداهما في الأخرى قال في إحداهما: قلت للشعبي: كل واحدة منهن خير من ألف، فقال كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف، وقال يوسف بن أسباط: كان يقال ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل إيمانه من إذا رضي لم يخرج رضاه إلى باطل وإذا غضب لم يخرج غضبه عن حق وإذا قدر لم يأخذ ماليس له، وقد روينا مسندًا من طريق، وقال سري بن المغلس: ثلاث يستبين بهن اليقين، القيام بالحق في مواطن الهلكة، والتسليم لأمر اللَّه ﷿ عند نزول البلاء، والرضا بالقضاء عند زوال النعمة نعوذ باللَّه منه، وقد روينا عن النبي ﷺ ثلاث من كنّ فيه استكمل إيمانه لا يخاف في اللَّه لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر الآخرة على الدنيا، وفي الخبر المشهورثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فخشية اللَّه في السر والعلانية وكلمة العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، وروينا في الخبر التكرم التقوى والشرف التواضع والغنى اليقين، وفي الحديث الآخر: الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم، وفي حديث عمار أسنده إلى رسول اللَّه ﷺ كفى بالموت واعظًا وكفى بالخشية علمًا وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلًا.
روينا عن رسول اللَّه ﷺ سيد الخطباء وخطيب الخطباء وحكيم الحكماء في خطبة الوداع كلمات جامعات موجزات في الوعظ والتذكرة والتزهد والتبصرة وينتظم جميع معاني ما قيل في معناها رواه أبان بن عياش عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ خطب على ناقته فقال: يا أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيها على غيرنا وجب وكأن من نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوّئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنّا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة، طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن أذل نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شرّه، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة، وقد روي عنه ﷺ حديث جامع لهذه المعاني المبثوثة مختصر في اللفظ والمعنى يقال إنه نصف العلم وهو قوله من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه، وما لم يؤمر به
[ ١ / ١٣٩ ]
العبد فرضًا ولم يندب إليه فضلًا ولا يحتاج إليه مباحًا فهو مما لايعنيه وفي حديث آخر هو نصف الورع قوله ﷺ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الإثم جوار القلوب أي دع ما تشكنّ فيه من قول أو فعل فإن فيه غنيمة أو سلامة إلى شيء أنت على يقين من الفضيلة فيه أو السلامة معه وما حز في قلبك ولم ينشرح له فدعه فإن ذلك إثم وإن قل ودق، وقد روينا عنه ﷺ في الوصف المبسوط من أوصاف المؤمنين كوصف اللَّه تعالى أولياءه في الكلام المشروح أنه بينما هو جالس ﷺ بين أصحابه إذ سجد فأطال ثم رفع رأسه مادًّا يديه فقال: اللَّهم أكرمنا ولاتهنّا وزدنا ولا تنقصنا وأعزنا ولا تذلنا، قلنا: وما ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: أنزلت عليّ آيات من أقامها دخل الجنة ثم تلا علينا قدأفلح المؤمنون إلى آخر العشر.
وروينا عنه في حديث مجمل أن رجلًا سأله فقال: يا رسول الله متى أعلم أني من أهل الجنة، وفي لفظ آخر أني مؤمن حقًا، فقال: إذا كنت بهذه الأوصاف، ثم تلا عليه: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم إلى آخر النعوت، وروينا عنه ﷺ في الوصف الجامع المختصر كوصف الحكيم الأكبر من صلح له من عباده بالإخلاص في التوحيد والعمل فقال ﷺ: لو لم تنزل عليّ إلا هذه الآية كانت تكفي، ثم قرأ آخر سورة الكهف (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) الكهف ١١٠ إلى آخرها، فكان هذا أفصل الخطاب وبلاغًا لأولي الألباب فالعمل الصالح الإخلاص في العبادة ونفي الشرك بالخلق هو اليقين بتوحيد الخالق، وقد قال الله وهو أحسن القائلين في وصف أوليائه الخائفين: (إِنَّ الَّذينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبَّهمْ مُشْفِقُونَ) (والَّذينَ هُمْ بآيات رَبِّهِمْ يُؤْمِنُون) المؤمنون: ٥٧ - ٥٨ إلى قوله: (وَهُمْ لَهَا سَابقُونَ) المؤمنون: ١٦، فوصفهم بسبع مقامات جامعات بالغات تنتظم بمقامات أهل المحاسبة وتستحوذ على معاني أحوال أهل المراقبة افتتحها بالخشية والإشفاق وختمها بالوجل والإنفاق وجعل موجبها اليقين وهو الذي رجحت به موازين المتقين صيره آخر وصفهم ونهاية نعتهم وهو قوله تعالى: (أنَّهُمْ إلَى رَبَّهم راجعُونَ) المؤمنون: ٦٠ أي لأجل يقينهم بمرجعهم إليه خافوه وأشفقوا وآمنوا به وأخلصوا وأتوه نفوسهم وأموالهم فهذا كقوله في الكلام المختصر: (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّر المُؤمِنين) البقرة: ٢٢٣ فللخائفين الأمن من الخوف عند اللقاء وحسن المنقلب والبشرى بالقرب لديه والزلفى، فصورة المحاسبة أن يقف العبد وقفة عند ظهور الهمة وابتداء الحركة ثم يميز الخاطر وهو حركة القلب والاضطراب وهو تصرف الجسم فإن كان ما خطر به الخاطر من الهمة التي تقتضي نية أو عقدًا أو عزمًا أو فعلًا أو سعيًا إن كان ﷿ وبه وفيه معنى ﷿ أي خالصًا لأجله ومعنى به أي بمشاهدة قربه لا بمقاربة نفسه وهواه ومعنى فيه أي
[ ١ / ١٤٠ ]
في سبيله وطلب رضاه عنه وما ندب عنده أمضاه وسارع في تنفيذه وإن كان لعاجل دنيا أو عارض هوى أو لهو وغفلة سرى بطبع البشرية ووصف الجبلية نفاه وسارع في نفيه ولم يمكن الخاطر من قلبه بالإصغاء إليه والمحادثة له فيولد فيه همًا رديًا يصعب عليه بعد حين طرحه وينتج منه فكرًا دنيّاِ يعسر بعد وقت نفيه ويؤثر ذلك في قلبه أثرًا يستبين له بعد حين فعله، معنى قولنا: إن كان الله تعالى أي خالصًا لأجله ومعنى قولنا به أي بمشاهدة قربه لا بمقارنة نفسه ووصفه وهواه ومعنى قولنا فيه أي في سبيله وطلب ماعنده لا لأجل عاجل حظه فإن اشتبه عليه الخاطر فلم ينكشف له ماورد به أمحمود هو الله ﷿ فيه رضاه وعلى العبد فيه سبق وتنفيذ أم مكروه وليس لله فيه محبة وللعبد في نفيه مزيد وقربة فيكون أشكال ذلك لأحد معان ثلاث؛ ضعف يقين عن نقص معرفة بالمبتلي، أو قلة علم عن جهل بغامض الحكم الباطل، أو لغلبة هوى كامن في النفس متولد من طبائع الحس، وقد قال بعض العلماء: ليس العالم الذي يعرف الخير من الشر هذا العاقل يعرفه ولكن العالم من يعرف خير الشرين يعني يفعله إذا اضطر إليه وعرف شر الخيرين يعني فاجتنبه لما يؤول إليه واعلم أن حكم الله فيما اشتبه من الأمور الإمساك والوقوف وأن لا يقدم العبد على ذلك بعقد ولا عزم إن كان من أعمال القلوب ولا يمضي ذلك بفعل ولا سعي إن كان من عمل الجوارح بل يقف ويوقف الأمر حتى يتبين له وهو صورة الورع لأن الورع هو الجبن والتأخر عن الإقدام على المشكلات وعن الهجوم في الشبهات لا بقول ولا بفعل ولا بعقد حتى تنكشف وانكشافها بغامض العلم لغموضها وتدقيق معرفة المعاني لدقتها وخفائها كما جاء في الخبر: أعلم الناس أعرفهم بالحق إذا اختلف الناس، وعن النبي ﷺ: إن الله ﷿ يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات.
وجاء عن ابن مسعود في وصف كثرة الشبهات: أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المئبت كما وقف طائفة من الصحابة عن القتال مع أهل العراق وأهل الشام لما أشكل عليه الحال منهم سعد وابن عمر وأسامة ومحمد بن مسلمة وغيرهم، فمن لم يتوقف عند الشبهات وأقدم عليها كان متعبًا لهواه معجبًا برأيه وهذا من معنى الخبر الذي جاء في ذم من كان هذا وصفه، فإذا رأيت شحًا مطاعًا وهوي متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك فلم يذم بوجود الشح لأنه صفة النفس وإنما ذم من أطاع النفس في شحّها بإمساك محبوبها على إيثار محبة الله ﷿ من الإنفاق ومثله وهوى متبع فلم يغب بوجود الهوى لأنه روح النفس مستكن فيها وإنما عيب باتباعه وكذلك قوله: وإعجاب كل ذي رأي برأيه لم ينقصه
[ ١ / ١٤١ ]
بوجود رأيه ممّا رآه من الأمر لأنه نتيجة عقله وثمرة فهمه وإنما نقصه بنظره إليه وإدلاله به دون سبق نظره إلى من أراه وبنور هداه وبإيثار رأيه على رأي من هو أعلم منه أو بأن يزري على رأي غيره افتخارًا برأيه، وقد قال الله ﷿: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) النجم٣٢: وقد وصف أهل الرأي من أوليائه في قوله ﷿: (إنّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمينَ) الحجر٧٥:، وقال تعالى: (عَلَى بَصِيرةٍ أنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف: ١٠٨، وجاء في الأثر: ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح، وجاء: أنتم شهداء الله في أرضه، وعن بعض السلف: أفضل العبادة الرأي الحسن؛ فأما ما أشكل لتجاذب الأمثال ولم يتبين لك إلى أي مثل ترده فالورع أن تقف ولا تمضي حتى ينكشف، وأما ما اشتبه لقصور العلم بالاستدلال فالعلم فيه أن تعرف الأصلين من الحرام والحلال ثم ترده إلى أشبههما به وهذا ظاهر مثل ماأحلت طائفة النظر إلى الغلام الجميل لأنه ذكر فتحتاج إلى أن ترده إلى أحد الأصلين لأنه مشتبه قال الله ﷿: (انْظُرُوا إلى ثَمَرهِ إذا أثْمَرَ) الأنعام: ٩٩، وقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارهِمْ) النور: ٣٠ فكان هذا الأصل أشبه لوجود الجنس ومثله الاستماع إلى القصائد أي إنشاد الشعر المباح فكان الاستماع إلى القرآن حلالًا والاستماع إلى الغناء حرامًا وكانت القصائد بالغناء أشبه فكرهناه لغير أهله، وكذلك القول في تلحين القرآن: إذا جاوز الحد في مد المقصور وقصر الممدود مكروه لشبهه بالأغاني ومثل لبس القطن ولبس الحرير فكرهنا لبس الملحم والعمل به لأنه بالحرير أشبه لما فيه منه فأما الإقدام على الأمور الغامضة مما لم ينكشف للأسماع فلم يظهر للأبصار فإن القلوب تسأل عن عقود سوء الظن بها والقطع بظاهر الأمر عليها وهو معنى قول الله ﷿ عن قفو ما لم يبين علمه إذا لم يجعل من علم العبد وتهدده عليه بمساءلة الجوارح عنه في قوله تعالى: (وَلاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: ٣٦، أي لا تتبع ولا تجسس أثر ما لم تعلم فتشهد عليه بسمع أو رؤية أو عقد قلب إذ حقيقة العلم السمع والمشاهدة فلذلك قال: (إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِك كَانَ عَنْهُ مَسْؤوُلًا) الإسراء: ٣٦ وكذلك قال رسول الله ﷺ: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى ومن تفرس في فعل أوامر غاب عنه حقيقة فأخبر به وأظهره على صاحبه فقد أساء كيف
وقد جاء في الخبر: من حدّث بما رأته عيناه أو سمعت أذناه كتبه الله ﷿ من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هذا لكشف ستر الله على عباده ومحبته للساترين منهم، ولذلك كان من دعاء أبي بكر الصديق ﵁: اللهم أرنا الحق حقًا فنتبعه والباطل باطلًا فنجتنبه ولا تجعل ذلك علينا متشابهًا فنتبع الهوى، وكذلك روينا عن عيسى ﵇: إنما الأمور ثلاثة: أمر استبان لك رشده
[ ١ / ١٤٢ ]
فاتبعه، وأمر استبان غيّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه، وقد كان من دعاء عليّ ﵁: اللهم إني أعوذ بك أن أقول في العلم بغير علم فنعمة الله سبحانه تعالى في كشف الباطل باطلًا وبيان الضلال ضلالًا مثل نعمه في إظهار الحق وبيان الصدق لأنه باب من اليقين،، ولذلك تجمل الله به على نبيه ﷺ وجعله من تفصيل آياته في قوله ﷾: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمين) الأنعام: ٥٥ فنصب سبيل على إضمار اسمه ورفعه على كشف دلالاته وتبيان طرقه وقد وعد الله ذلك للمتقين وقدمه على تكفير السيئات والمغفرة وأخبر أن ذلك من الفضل العظيم في قوله ﷿: (يَاأيُّها الَّذين آمَنُوا إنْ تَتَّقوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًَا وَيُكَفِّرّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُم) الأنفال: ٢٩ أي نورًا في قلوبكم تفرقون به بين الشبهات ومثله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا أي من كل أمر أشكل على الناس ورزقه من حيث لا يحتسب علم بغير تعليم بل إلهام وتوفيق من لدن الخبير العليم، وقد وعد ذلك المؤمنين عند اختلاف العلماء للبغي بينهم وهو الكبر والحسد، وحرم ذلك المنافقين الذين لايصدقون بالآيات والقدر والغائبات فقال ﷿ في ذلك: (وَمَا اخْتَلَفَ فيهِ إلاَّ الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الَبِّينَات بَغْيًا بَيْنَهُمْ) البقرة: ٢١٣ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فصنع الهداية للحق أن يكشف الحق إذا هدي التقى له ما يبدئ الباطل للابتلاء وما يعيد على العبد من الأحكام، وقد يكون الباطل اسمًا للعدوّ ويكون وصفًا للنفس ألم تسمع قوله ﷿: (قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدئُ البَاطِلُ وَمَا يُعيدُ) سبأ: ٤٩ أي: لما جاء الحق أبدى الباطل وأعاده فأظهر حقيقة الأمر بدءًا وعودًا وقد قيل إن الباطل يعني به إبليس ههنا فتدبروا وقال: (إنَّ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بآيات اللّه لا يَهْدِيهِمُ اللهُ) النحل: ١٠٤ وكما أن الله ﷿ في البيان نعمة لأنه لاتقع إلا بقدرة كما قال: فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فكذلك على العبد فيه شكر وقد يكون سببًا للإنعام بالبيان وعلى الله المزيد على الشكر، كما قال: (كَذَلِكَ يُبِيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) المائدة: ٩٨، وقال في تحقيق الشكر بالمزيد للشاكرين على التصريف: (كَذَلِكَ نُصَرِّف الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُون) الأعراف: ٥٨ فإذا وقف العبد في الشبهات عن الإمضاء وأوقف الخاطر على الابتداء حتى يكشفه الله ﷿ له بمزيد علم أو قوة يقين أو كشف حجاب الهوى فقد وفق للصواب وهو من معنى قوله ﷿: (آتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ) ص: ٢٠ وداخل في قوله: (وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كثيرًا) البقرة: ٢٦٩ هذا إذا لم يرد بالطلب ولم يجعل لعالم آخر فيه مكان كشفه للعبد بوصفه فإذا أراده بالطلب لأوليائه وجعل للعلماء مكانًا للدلالة عليه اضطره أن يسأل عالمًا بالله وبباطن أحكامه عارفًا بلطيف حجابه وخفي كشفه فيكشف له على لسانه إذا لم يكن العبد ممن يكاشف بقلبه
[ ١ / ١٤٣ ]
لتحقيق قوله: (فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: ٤٣ ولتصديق قوله الرحمن فاسأل به خبيرًا والله تعالى هو المسير الأوّل والمبين الآخر إلا أن السير والسؤال على العبد والهدى والبيان على الهادي المبين، كما قال: (قُلْ سيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا) النمل: ٦٩ وقال تعالى: (فَإنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنَا إلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ) يونس: ٩٤ الآية، ثم قال: (إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) القيامة: ١٩ إن علينا للهدى وعلى الله قصد السبيل كذلك سننه التي قد خلت من
قبل ولا تبديل لها ولا تحويل، ألم تسمع قول الله تعالى: (وَعَلَّم آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا) البقرة: ٣١ فهذا هو المجتبي للتعليم الآخذ نصيبه من الله ﷿ بتفهيم المصطفى لمكان التخصيص، ثم قال: (يَا آدَمُ أنْبِئْهُمْ بأسْمَائِهِم) البقرة: ٣٣، فلما أنبأهم بأسمائهم ترك آدم ورد إليه وذكر نفسه بالعلم منه بعد أن دلّ بالواسطة عليه، فقال: ألم أقل لكم إني أعلم ولم يقل إن آدم يعلم فأخذ آدم نصيبه من رازقه بقلبه لمكان رتبته وأخذت الملائكة أنصبتها من الله ﷿ من نصيب آدم بواسطته والله هو الرزاق ذو القوة المتين كما هو الخلاّق، هل من خالق غير الله يرزقكم؟ والعبيد يأخذون أنصبتهم بأقسامهم من حيث هي طرق وسبب لهم، وهذا حينئذ أول المحاسبة عن مشاهدة حسيب، والتحقيق بالمحاسبة هو أول المراقبة عن رؤية رقيب، والمقام من المراقبة هو حال من أحوال الموقنين، وعلم اليقين هو آخر علم الإيمان وآخر نصيب العبد من علم اليقين أعني نهايته أول عين اليقين وهو شهادة المعرفة والمعرفة على هذا الوصف أول المشاهدة؛ وهذا هو مقام المقربين أعني بمشاهدة وصف قريب يحيط ببعد النفس فيستولي عليها فيغيب بعدها في قربه وينتبه عقله تحت ظنه وتنطوي حكمته في قدرته كمحو نور القمر في ضياء الشمس والله غالب على أمره وعلم معاني الأسماء والصفات وتعريف الأخلاق وباطن أحكام الذات يكون في مقامات القرب بمرآة نور الوجه فيرفع نور حكم المكان ويشهد كأن رفع كون المرآة ويشهد الوجه بنورها وتغيب المرآة عن كونها فيكون العبد قائمًا بقصر قيوميته فيصير العبد شبه ميتة مشاهدًا بحيطة قربه لا بكونه كما يشهد الوجه بنور المرآة لا بجسمها ولا يكون هذا إلا بعد معاينة وصف وبعد حسن المراقبة في جميع المعاملة وحسن الأدب في محاضرة الرب بتنفييذ خواطر الخبر وسرعة نفي خواطر السر حتى لا يبقى شئ منها وهذا حال المشاهدة والقرب، وذلك يخرج العبد إلى صفاء القلب بعلم اليقين، وصفاء القلب يرفعه مقامات في مشاهدة العين حتى لا يخطر بقلبه إلا خاطر حق فإن عصاه عصى الحق وفي ترك هذا والغض عنه كدر القلب وفي كدره ظلمته وذلك مقامات في القسوة وهي أول البعد وبلغني أن ما من فعلة وإن صغرت إلا وينشر لها ثلاثة دواوين: الديوان الأول لِمَ
[ ١ / ١٤٤ ]
والثاني كيف، والثالث لمن، فمعنى لِمَ أي لِمَ فعلت؟ وهذا موضع الابتلاء عن وصف الربوبية بحكم العبودية أي أكان عليك أن تعمل لمولاك أم كان ذلك منك بهواك فإن سلم من هذا الديوان بأن كان عليه أن يعمل كما أمر به سئل عن الديوان الثاني، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ وهو مكان المطالبة بالعلم وهو البلاء الثاني أي قد عملته بأن كان عليك عمله فكيف عملته أبعلم أم بجهل؟ فإن الله تعالى لا يقبل عملًا إلا من طريقته وطريقة العلم، فإن سلم من هذا نشر عليه الديوان الثالث فقيل لمن؟ وهذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه الربوبية وهو البلاء الثالث وهم بغية الله ﷿ من خلقه الذين قال في حقهم: (إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ) الحجر: ٤٠ وهذا مقتضى كلمة الإخلاص من نفي ماسواه وهي لا إله إلا الله وليس بعده إلا الإشفاق إلى وقت التلاق أي قد عملته بعلم فلمن عملته لوجه الله ﷿ خالصًا فأجرك عليه أم لشخص مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتناول عاجل دنياك فقد وفينا إليك عملك فيها أم عملته لنفسك بسهولة وغفلتك فقد سقط أجرك وحبط عملك لذهابك عن القصد وعدم النية في الفعل فجميع ماأردت به سواه فقد تعرضت للمقت واستوجبت العقاب بترك ما عليك وجهل ما لمولاك إذ كنت عبدًا لي تتولى غيري وإذا أنت تأكل رزقي وتعمل لسواي وإذا كان الدين قد جعلته لنفسي فقصدت به من دوني ويلك أما سمعتني أقول ألا لله الدين الخالص ويلك ما قبلت أمري إذ قلت وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقول له: ويلك أما سمعتني أقول إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقًا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه فهده أمثال القرآن يشهد منها العلماء أمثالهم وهي إذا كان الخطاب عند تدبره يفهم بها العارفون أذكارهم فيكون توبيخ الله عزّ وحلّ للغافلين بعزائم كلامه وغليظ خطابه أشد عليهم وأوجع لهم من أليم عقابه، وذلك أن الله تعالى استخلص الدين لنفسه ولم يشرك فيه أحدًا من خلقه فقال: (ألاَ الله الدّين
الخَالِصُ) الزمر: ٣ يعني الطريق الموحد غير المشترك الصافي غير الكدر لأن الإخلاص التصفية من أكدار الهوى والشهوة وضده الشرك وهو الخلط بغيره من النفس والناس كما أنعم علينا بالرزق الخالص من بين الفرث والدم فتمت به النعمة فقال: (نُسْقيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا) النحل: ٦٦ فلو وجد فيه خلط من أحدهما لم تتم به النعمة علينا، فكذلك ينبغي أن يكون عملنا له خالصًا من الهوى والشهوة لنستحق به الأجر والحظوة منه مع القيام بواجب الحق علينا فكما أنّا لو رأينا في اللبن الذي أنعم به علينا فرثًا أو دمًا عافته أنفسنا فلم نأكله فكذلك الحكيم الخبير إذا رأى في عملنا خلطًا من رياء أو شهوة رده علينا فلم يقبله وكما عمل لنا مما عملت يده بقدرته أنعامًا ذللها لنا منها
[ ١ / ١٤٥ ]
ركوبنا ومأكلنا فينبغي أن نشكره فنعمل له بعد الأكل عملًا صالحًا كما أمرنا بعد إذ أنعم الله علينا، فقال: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) المؤمنون: ٥١ فمن جهل ما جعل الله لنفسه وترك ماأمر به من الإخلاص بالدين لوجهه استوجب المقت لجهله واستحق العقاب لمخالفته وفي تدبر ماقلناه الهرب من الخلق والبكاء على النفس إلى لقاء الحق لمن أشهد ووقف وأريد بالحضور فلم يصرف.
[ ١ / ١٤٦ ]