كتاب أساس المريدين
قال بعض العلماء: الخلق محجوبون بثلاث؛ حب الدرهم، وطلب الرياسة وطاعة النساء، وقال بعض العارفين: الذي قطع العباد عن الله ﷿ ثلاثة أشياء؛ قلة الصدق في الإرادة،، والجهل بالطريق، ونطق علماء السوء بالهوى، وقال بعض علمائنا: إذا كان المطلوب محجوبًا والدليل مفقودًا والاختلاف موجودًا لم ينكشف الحق، وإذا لم ينكشف الحق تحير المريد، واعلم أن المريد لابدّ له من خصال سبع: الصدق في الإرادة وعلامته إعداد العدة ولا بدّ له من التسبب إلى الطاعة وعلامة ذلك هجر قرناء السوء ولا بدّ له من المعرفة بحال نفسه وعلامة ذلك استكشاف آفات النفس ولا بدّ له من مجالسة عالم بالله وعلامة ذلك إيثاره على ماسواه ولا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة ويثبت على المداومة وعلامة التوبة قطع أسباب الهوى والزهد فيما كانت النفس راغبة فيه ولا بدّ له من طعمة حلال لا يذمّها العلم وعلامة ذلك الحلال المطالبة عنه وحلول العلم فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع ولا بدّ له من قرين صالح يؤازره على ذلك وعلامة القرين الصالح معاونته على البر والتقوى ونهيه إياه عن الإثم والعدوان، فهذه الخصال السبع قوّت الإرادة لا قوام لها إلا بها ويستعين على هذه السبع بأربع هن أساس بنيانه وبها قوة أركانه؛ أوّلها الجوع، ثم السهر، ثم الصمت، ثم الخلوة، فهذه الأربع سجن النفس وضيقها وضرب النفس وتقييدها بهن يضعف صفاتها وعليهن تحسن معاملاتها ولكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في القلب، فأما الجوع فإنه ينقص من دم القلب فيبيضّ وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبه رقته ورقته مفتاح كل خير لأن في القسوة مفتاح كل شر وإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدوّ منه لأن دم القلب مكانه فإذا رق القلب ضعف سلطان العدوّ منه لأن في غلظ القلب سلطانه والفلاسفة يقولون إن النفس كلية الدم وحجتهم في ذلك أن الإنسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه، والعلماء منهم قالوا: الدم هو مكان النفس وهذا هو الصحيح لأنه مواطئ لما في التوراة سمعت أن في التوراة مكتوبًا: ياموسى لا تأكل العروق فإنها
[ ١ / ١٦٩ ]
مأوى كل نفس وهذا مصدق للحديث الذي روي أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش، وقدعبر علماء الكوفة عن الدم بالنفس فقالوا: إذا مات في الماء من الهوام ماليس له نفس سائلة لم ينجس يعنون الخنافس والصراصر والعناكب، ففي الجوع نقصان الدم ونقصانه ضيق مسلك العدوّ وضعف مسكن النفس لسقوط مكانها، وفي خبر عن عيسى ﵇: يامعشر الحواريين جوّعوا بطونكم وعطشوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله ﷿ يعني بحقيقة الزهد وصفاء القلب، فالجوع مفتاح الزهد وباب الآخرة وفيه ذلّ النفس واستكانتها وضعفها وانكسارها وفي ذلك حياة القلب وصلاحه وأقل ما في الجوع إيثار الصمت وفي الصمت السلامة وهي غاية للعقلاء، وقال سهل ﵀: اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال، وبها صار الإبدال إبدالًا إخماص البطون والصمت والسهر والاعتزال عن الناس، وقال: من لم يصبر على الجوع والضر لم يتحقق بهذا الأمر وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله ما تحول الصديقون صديقين إلا بالجوع والسهر فإنه ينير القلب ويجلوه وفي استنارته معاينة الغيب وفي جلائه صفاء اليقين فتدخل الاستنارة والجلاء على البياض والرقة فيصير القلب كأنه كوكب دريّ في مرآة مجلوة ويشهد الغيب بالغيب فيزهد في الفاني لما عاين من الباقي وتقل رغبته في عاجل حظوظ هواه لما أبصر من وبال العقاب ويرغب في الطاعات لمشاهدة الآخرة ورفيع الدرجات فيصير الآجل عاجلًا ويكون العاجل غائبًا ويصير الغائب حاضرًا والحاضر آفلًا يطلبه ويرغب فيه فلا يحب الآفل ولا يبتغيه ويطلب الآجل ويرغب فيه وينكشف له عوار الدار ويظهر له بواطن الأسرار ويزول عنه كامن الإغترار فهناك صار العبد مؤمنًا حقًا بوصف حارثة الأنصاري إذ يقول: عزفت نفسي عن الدنيا وكأني أنظر إلى عرش ربي تعالى بارزًا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون، وكذلك وصف رسول الله ﷺ قلب المؤن في قوله: القلوب أربعة؛ قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وانجراد القلب بالزهد في الدنيا
[ ١ / ١٧٠ ]
وتجرده من الهوى وسراجه الذي يزهر فيه هو نور اليقين به يبصر الغيب
وقال بعض علمائنا: من سهر أربعين ليلة خالصًا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله ﷿: (وَاسْتعِينُوا بِالصَبْرِ وَالصَّلاَةِ) البقرة: ٥٤ قيل بالصوم على قيام الليل وقيل: استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل: استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي. قال بعض علمائنا: من سهر أربعين ليلة خالصًا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد قيل في قوله ﷿: (وَاسْتعِينُوا بِالصَبْرِ وَالصَّلاَةِ) البقرة: ٥٤ قيل بالصوم على قيام الليل وقيل: استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل: استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي.
وأما الصمت فإنه يلقح العقل ويعلم الورع ويجلب التقوى ويجعل الله ﷿ به للعبد بالتأويل الصحيح والعلم الرجيح مخرجًا ويوفقه بإيثار الصمت للقول السديد والعمل الرشيد، وقد قال بعض السلف: تعلمت الصمت بحصاة جعلتها في فمي ثلاثين سنة كنت إذا هممت بالكلمة تلجلج بها لساني فيسكت، وقال بعضهم: جعلت على نفسي بكل كلمة أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين فسهل ذلكّ عليّ فجعلت على نفسي بكل كلمة صوم يوم فسهلّ عليّ فلم أنتهِ حتى جعلت على نفسي بكل كلمة أن أتصدق بدرهم فصعب ذلك فانتهيت، وقال عقبة بن عامر: يارسول الله فيم النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وقال ﷺ في الخبر الجامع المختصر: من سره أن يسلم فليلزم الصمت وأوصى رسول الله ﷺ معاذًا بالصلاة والصيام وغير ذلك ثم قال في آخر وصيته: ألا أدلك على ماهو أملك لك من ذلك كله، هذا وأومأ بيده إلى لسانه فقلت: يارسول الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا فقال: ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم إنك ماسكت فإنك سالم فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك وقال عبد الله بن سفيان عن أبيه، قال: قلت يارسول الله أوصني بشيء في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك فقال: قل ربي الله ثم استقم قال: قلت فما أتقى بعد ذلك، وفي لفظ آخر ذلك وفي لفط آخر فأخبرني بأضر شيء عليّ فقال هذا وأومأ إلى لسانه، وفي الخبر لا يتقي العبد ربه تعالى حق تقاته حتى يخزن من لسانه.
[ ١ / ١٧١ ]
وفي الحديث لايصلح العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وقال ابن مسعود: ليس شيء أحق بطول سجن من لسان، وقال بعض السلف: فتشت الورع فما وجدت في شيء أقل منه في اللسان، وقال بعض العلماء: مااستقام لسان عبد إلا عرفت الصلاح في سائر عمله وما اختلف لسانه إلا عرفت الفساد في سائر عمله وقال بعض الحكماء: إذا كثر العقل قل الكلام، وإذا قل العقل كثر الكلام، وقال أحمد بن حنبل: علماء أهل الكلام زنادقة، وقال بعض هذه الطائفة: من تكلم فأحسن كثير ولكن الشأن فيمن يحسن أن يسكت، وقال ذو النون المصري: الخوف يقلق والحياء يسكت، وقال بعض العارفين: قد جزئ العلم على قسمين: نصفه سكوت ونصفه أن تدري أين تضعه، وقال الضحاك بن مزاحم: أدركتهم وما يتعلمون إلا الصمت والورع وهم اليوم يتعلمون الكلام، وقال الحسن عن أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: أربع لا يصبن إلا بعجب الصمت وهو: أول العبادة، والتواضع، وذكر الله ﷿، وقلة الشيء، وقال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما مضى؟ فقال: يابني الكلام اليوم أكثر والعلم فيما مضى كان أكثر وقيل: كانوا ينتفعون بصمت العلم مثل ما ينتفعون بكلامه، وقد قيل: من لم ينتفع بسكوت المتكلم لم ينتفع بكلامه، وقيل لبعض العلماء: فلان أعلم أم فلان؟ فقال فلان أعلم وفلان أكثر كلامًا ففرق بين العلم والكلام، وقيل لبعض علماء خراسان عند وفاته: دلنا على رجل نجلس إليه بعدك فقال لهم: فلان فذكر لهم رجلًا صموتًا متعبدًا لا يعرف بكثير علم فقيل له: إن فلانًا ليس عنده من العلم ما يجيب عن كل ما نسأله عنه من العلم فقال: قد علمت، ولكن عنده من الورع مالا يتكلم بما لايعلم وكان الأعمش يقول: من الكلام كلام جوابه السكوت، وقال بعض السلف: الصمت زين العالم وستر الجاهل، وقال غيره: الصمت جوابه وفي الخبر: الصمت زين للعالم وشين للجاهل، وقال بعضهم: ليس شيء أشد على الشيطان من عالم حليم إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت بحلم، يقول الشيطان: انظروا إليه سكوته أشدُّ عليّ من كلامه، وقال بعض السلف: تعلّم الصمت كما تتعلّم الكلام، فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك ولك في الصمت خصلتان تدفع به جهل من هو أجهل منك وتعلم به علم من هو أعلم منك، وقال بعض العلماء: تعلم لاأدري ولا تتعلم أدري فإن قلت لاأدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري، وقد قال العلماء: إذا أخطأ العالم قول أدري أصيبت مقاتله، وقال عيسى ﵇: الخير كله في ثلاثة: في الصمت، والكلام، والنظر، فمن لم يكن صمته تفكرًا فهو في سهو، ومن لم يكن كلامه ذكرًا فهو في لغو، ومن لم يكن نظره عبرًا فهو في لهو، وقال بعضهم: يأتي على الناس زمان يكون أفضل أعمالهم النوم وأفضل علومهم الصمت يعني لفساد الأعمال ولاشتباه
[ ١ / ١٧٢ ]
العلم، ويقول أيضًا مع ذلك: وأفضل أحوالهم الجوع لانتشار الحرام وغموض الحلال، وقال بعض العلماء: الصمت نوم العقل والنطق يقظته وكل يقظة تحتاج إلى نوم وما صمت عاقل قط إلا اجتمع عقله وحضر لبه، وفي وصية ابن عباس مجاهدًا لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أسلم ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلّم فيما لايعنيك حتى ترى له موضعًا فرب متكلّم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت، وقال بعض العلماء: يستبين ورع الرجل في منطقه وفي الخبر: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه مات قلبه، ويقال: إذا قلّ الكلام كثر الصواب، وعن جماعة السلف: إن تسعة أعشار السلامة في الصمت، ويقال: كل كلمة من هزل أو مزح أو لغو يوقف العبد عليها خمس مواقف بتوبيخ وتقرير، أوّلها أن يقال له لم قلت كلمة كذا أكانت فيما يعنيك؟ والثانية هل نفعتك إذ قلتها؟ والثالثة هل ضرتك لو لم تقلها؟ والرابعة ألا سكت فربحت السلامة من عاقبتها؟ والخامسة هلا جعلت مكانها قول سبحان الله والحمد لله فغنمت ثوابها، ويقال ما من كلمة إلا وينشر لها ثلاثة دواوين: الديوان الأوّل لم، والثاني كيف، والثالث لمن، فإن نجا من الثلاث وإلا طال وقوفه للحساب، وقال الحسن: لسان المؤمن وراء قلبه إذا أراد أن يتكلم تفكر فإن كان له تكلم وإن كان عليه أمسك، وقلب المنافق على طرف لسانه أي كل شيء خطر بقلبه تكلم به ولا يتوقف ولا ينثني، وفي الخبر: من آفة العالم أن يكون الكلام أعجب إليه من الصمت
وفي الكلام تنميق وزيادة، وفي الصمت سلامة وغنم، وفي موعظة النبي ﷺ طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ولم نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق وتقوّي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب ومنها يدخل آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته، وقد قال بعض العلماء: من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادّكار العباد وتواصل ذكر المعبود، والخلوة من أكبر العوافي، وذلك أنه قد جاء في الحديث: سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية، ثم قد روي في الخبر: العزلة عن الناس عافية، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقًا حتى يجد في الخلوة من اللذة والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في السر، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة، الخوف يصلح لجميع العابدين
[ ١ / ١٧٣ ]
والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة والانفراد يصلح لجميع المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن الخلوة تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج إلى إيمان ثان. ي الكلام تنميق وزيادة، وفي الصمت سلامة وغنم، وفي موعظة النبي ﷺ طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ولم نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق وتقوّي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب ومنها يدخل آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته، وقد قال بعض العلماء: من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادّكار العباد وتواصل ذكر المعبود، والخلوة من أكبر العوافي، وذلك أنه قد جاء في الحديث: سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية، ثم قد روي في الخبر: العزلة عن الناس عافية، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقًا حتى يجد في الخلوة من اللذة والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في السر، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة، الخوف يصلح لجميع العابدين والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة والانفراد يصلح لجميع المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن الخلوة تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج إلى إيمان ثان.
وقد روينا عن سفيان الثوري وعن بشر بن الحرث: إذا استوحشت من الوحدة واستأنست بالخلق لم آمن عليك الرياء، وكان أبو محمد يقول: اجتمع الخير كله في هذه الخصال الأربع وبها صار الإبدال إبدالًا: إخماص البطون، والصمت، واعتزال الخلق، وسهر الليل، وحدثت عن عبد العزيز عن سهل ﵀ قال: مخالطة الولي للناس ذلّ وتفرّده عزّ وقلّ مارأيت وليًّا لله ﷿ إلا منفردًا، وقال بعض العارفين: الأنس بالوحدة علامة وجود الطريق فمن علامة صدق الإرادة بعد صحة التوبة وقوة العزم على الاستقامة إيثار هذه الأربع التي ذكرناه على أضدادها ووجود القلب عندها وانشراح الصدر بها وحسن الخلق معها لأن ضدها هو أبواب الدنيا ومفاتيح الغفلة وطرقات الهوى، من ذلك فإن في الشبع قسوة القلب وظلمته وفي ذلك قوّة صفات النفس وانتشار حظوظها وفي قوّتها وبسطها ضعف الإيمان وخمود أنواره وفي ضعف النفس وخمود طبعها قوة الإيمان واتساع شعاع أنوار اليقين وفي ذلك قرب العبد من القريب ومجالسته للحبيب والشبع مفتاح الرغبة في الدنيا، وقال بعض الصحابة: أول بدعة حدثت بعد رسول الله ﷺ الشبع إذ القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم شهواتهم.
وروي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يجوعون من غير إعواز أي مختارين لذلك، وقال ابن عمر: ماشبعت منذ قتل عثمان ﵁، وقال هذا في زمن الحجاج، وفي حديث أبي حجيفة لما تجشأ عند رسول الله ﷺ فقال له: اكفف عنا جشاءك فإن أطولكم شبعًا في الدنيا، أكثركم جوعًا في الآخرة، فقال: والله ما تمليت طعامًا من يومئذ إلى يومي هذا، وأرجو أن يعصمني الله ﷿ فيما بقي، ويستحب على هذا أن يكون جوع العبد في الدنيا أكثر من شبعه وهي علامة الأولياء، فمن كان له أكلة بين جوعتين إلى منتهاهما فجوعه حينئذ أكثر من شبعه، ومن كان له بعد جوعة بالغة شبعة متوسطة فقد اعتدل شبعه وأكله وجوعه، ومن أكل في يوم مرتين أو أكل من غير جوع ثم شبع فشبعه أكثر من جوعه، وهذا مكروه، وكل من أكل بعد الجوع، ورفع يده قبل الشبع فجوعه أكثر من شبعه وهذا أوسط الأحوال، وقال هشام عن الحسن: والله لقد أدركت أقوامًا كانوا لا يشبعون يأكل أحدهم حتى إذا رد نفسه أمسك ذائبًا ناحلًا مقبلًا على نية يعيش عمره كله ما طوى له ثوب قط ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ولا جعل بينه وبين الأرض شيئًا قط، وقال جعفر بن حيان عن الحسن: المؤمن لا يأكل في كل بطنه، ولا تزال وصيته تحت جنبه.
وروينا عن الثوري: خصلتان تقسيان القلب؛ طول الشبع، وكثرة الكلام، وروينا عن
[ ١ / ١٧٤ ]
مكحول خصال ثلاث يحبها الله ﷿ وثلاث يبغضها الله ﷿، فأما اللاتي يحبها: فقلة الأكل، وقلة النوم، وقلة الكلام، وأما اللاتي يبغض: فكثرة الأكل، وكثرة الكلام، وكثرة النوم، فأما النوم فإن في مداومته طول الغفلة وقلة العقل ونقصان الفطنة وسهوة القلب، وفي هذه الأشياء الفوت وفي الفوت الحسرة بعد الموت، وروينا عن النبي ﷺ قال: قالت أم سليمان بن داود لابنها: يابني لاتكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم تترك العبد فقيرًا يوم القيامة وقيل كان شبان يتعبدون في بني إسرائيل فكانوا إذا حضر عشاؤهم قام فيهم عالمهم فقال: يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا كثيرًا فترقدوا كثيرًا فتخسروا كثيرًا، وكان بعض السلف يقول: أدنى أحوال المؤمن: الأكل والنوم، وأفضل أحوال المنافق: الأكل والنوم، وقال بعض الناس لفيلسوف من الحكماء: صف لي شيئًا أستعمله حتى أكون أنام النهار، فقال: ياهذا ماأضعف عقلك إن نصف عمرك نوم والنوم من الموت، تريد أن تجعل ثلاثة أرباعه نومًا وربعه حياة؟ قال: وكيف؟ قال: أنت إذا عشت أربعين سنة فإنما هي عشرون سنة أفتريد أن تجعلها عشر سنين؟ وأما كثرة الكلام فإن فيه قلة الورع وعدم التقوى وطول الحساب وكثرة المطالبين وتعلق المظلومين وكثرة الأشهاد من الأملاك المكاتبين ودوام الإعراض من الملك الكريم، لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان، فيه الكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وفيه شهادة الزور، وفيه قذف المحصن والافتراء على الله تعالى والإيمان، وفيه القول فيما لايعني والخوض فيما لاينفع، وقد جاء في الخبر: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه وأكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة أكثرهم خوضًا فيما لايعنيه، وفي اللسان التزين والتصنع للخلق والتحريف والإحالة لمعاني الصدق، وفيه المداهنة والمواراة والتملق لأهل الأهواء وفي اجتماع هذا على العبد شتات قلبه وفي شتاته تفريق همه، وفي تفريق همه سقوطه من مقام المقربين، وفي وصية ابن عباس لمجاهد لا تمارينّ حليمًا ولا سفيهًا فإن الحليم يقلاك وإن السفيه يؤذيك، وفي الخبر: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالًا يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض، وفي لفظ آخر ليتكلم بها فيهوي في جهنم سبعين خريفًا، وقال لقمان لابنه: لأن تعيش أخرس يسيل لعابك على صدرك خير لك من أن تنطق في نادي القوم بما لايعنيك، وفي خبر: من افتتح بكلمة سوء ثم خاض الناس في مثلها كان عليه مثل أوزارهم، وفي الخبر: لايأتي بخير السوء إلا رجل السوء، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان إذا صحبه رجل فجاء بخبر سوء فارقه، وروينا في الحديث: من حدث بما سمعت أذناه ورأت عيناه كتبه الله تعالى من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
وروينا عن علي ﵁: مذيع الفاحشة في الناس كفاعلها، وفي الخبر: إن بعض فقراء أهل الصفة استشهد في سبيل الله ﷿ فقالت أمه: هنيئًا لك في الجنة
[ ١ / ١٧٥ ]
جاهدت في سبيل الله وهاجرت إلى رسول الله ﷺ وقتلت شهيدًا، طوبى لك الجنة، فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك أنه في الجنة؟ فلعله كان يتكلم فيما لا ينفعه أو يبخل بما لا يضره وفي لفظ آخر: لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لايغنيه، وفي الخبر: إن بعض الصحابة قال لرجل إنه لنؤوم، فقال رسول الله ﷺ: اغتبتم أخاكم سلوه أن يستغفر لكم، وفي خبر آخر: إنهم قالوا ماأعجز فلانًا فقال: أكلتموه، وفي حديث عائشة ﵂، قالت لامرأة: ماأطول ذيلها وفي لفظ آخر قالت: إنها لقصيرة، فقال رسول الله ﷺ: اغتبتها وفي خبر آخر: أن رسول الله ﷺ قال لها: لقد تكلمت بكلمة لو مزج بها ماء البحر لامتزج، فهذا من وصف المبالغة في الشدة، وفي الخبر الجامع لهذه المعاني في وصف الغيبة ما روي عن رسول الله ﷺ: من قال في أخيه مافيه فقد اغتابه.
وفي حديث أبان عن أنس عن رسول الله ﷺ: أشد من ذلك أنه قال الغيبة ما إن قلت في أخيك لم تزكه به فهذا نهاية القول من الشدة وغاية التشديد في الغيبة والغيبة اسم لغوي معناه شرعي مشتق من غيب الإنسان وفسرها رسول الله ﷺ أنها أن يقول العبد في أخيه ما فيه وعظمها بقوله هي أشد من الزنا، فمتى قال العبد لأخيه في غيبته ما يعلمه يقينًا فيه مما لا يقوله بمحضره أو مما ينقصه به أو لا يزكيه فيه فقد اغتابه، فلو لم يكن في الصمت إلا السلامة من الغيبة لكان ذلك غنيمة موفورة، كيف وقد روي عن رسول الله ﷺ: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثة أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله ﷿، وأما مخالطة الناس فإنها تضعف العزم الذي كان قويًا في أعمال البر وتحل العقد المبرم الذي استوطنه العبد في الخلوة لقلة المتعاونين على البر والتقوى وكثرة المتعاونين على الإثم والعدوان، وفي مخالطة الناس قوّة الطلب والحرص على عاجل الدنيا لما يعاين من إقبال أهلها عليه وفيه الفتور عن الخدمة بالنظر إلى أهل الغفلة والملل للطاعة بمجالسة أهل البطالة ونقصان حلاوة المعاملة وذهاب نور العلم وسرعة خروج الوجد بالفهم لاستماع كلام أهل الجهالة والنظر إلى الموتى من أبناء الدنيا كما روي عن عيسى عيه السلام: لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم، قيل: ومن الموتى؟ قال: المحبون للدنيا الراغبون فيها، وقد كان الحسن يقول في قوله ﷿: (وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلاَ الأمْوَاْتُ) فاطر: ٢٢، قال: الفقراء والأغنياء كان الفقراء حيوا بذكر الله ﷿ والأغنياء ماتوا على الدنيا، وأعظم ما في مخالطة الناس ومجالسة أهل البطالة وذوي غفلتهم ضعف اليقين برؤيتهم، وأضر ما ابتلي به العبد وأعمله في هلاكه وأشده لحجبه وإبعاده ضعف يقينه بما وعد به بالغيب وتوعد عليه في الشهادة وهذا أخوف ما خافه رسول الله ﷺ على أمته فيما روينا عنه أنه قال: أخوف ماأخاف على أمتي ضعف اليقين، وذلك أن ضعف اليقين هو أصل الرغبة في الدنيا والحرص على التكاثر منها والتضرع إلى أبنائها والطمع فيهم، كما قال ابن مسعود: إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع إلى بيته وما معه من دينه
[ ١ / ١٧٦ ]
شيء يلقى هذا فيقول: إنك لذيت وذيت ويلقى هذا فيقول أنت كيت وكيت ولعله لا يخلى منهم بشيء ويرجع إلى بيته وقد أسخط الله ﷿، وقد قال بعض التابعين: إن العبد ليقعد في الخلوة على خصال من الخير فيخرج إلى الناس فيحللون ما عقده عقدة عقدة حتى يرجع وقد انحلت العقد كلها، وقوّة اليقين أصل كل عمل صالح لأن في قوّة يقينه سرعة منقلبه وطول مثواه في دار إقامته إيثار التقلل من الفاني وتقديمه للباقي وضعف حرصه وقلة طلبه وفقد طمعه وفراغه من الاشتغال بعاجله وإقباله وشغله بما ندب إليه من مستقره، وفي جميع ذلك إخلاصه في أعماله وحقيقة زهده في تصرف أحواله وفي قصر أمله وتحسين عمله، ألم تسمع إلى وصف من أخبر الله ﷿ عنه بالتكاثر الذي ألهاه حتى زار برزخه ومثواه كيف تهدده حتى يعلم يقينًا وتوعده إذا رأى آخرته عيانًا فقال سبحانه: (ألْهَاكُمُ التَّكاثُرُ) التكاثر: ١ أي شغلكم الجمع للمكاثرة حتى حللتم القبور، ثم قال: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ) التكاثر: ٥ أي لشغلكم العمل الصالح للآخرة عن اللعب واللهو الذي هو مقتضى الشك إذ هو ضد اليقين فاشتغلتم بالآخرة عن التكاثر من الدنيا كما شغلكم التكاثر باللهو واللعب لعدم علم اليقين، كما قال: (أبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إنّا مُوقِنونَ) السجدة: ١٢بعد أن قال: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍ يَلْعَبُون) الدخان: ٩ ثم ثوعدهم على ذلك مرتين وتهددهم بالسؤال عن النعيم الذي شغلهم وهو التكاثر في فضول العاجل وقيل: هو الجمع والمنع، فاعلم أن الذي قطع العباد عن التوبة وعرج بالتائبين عن الاستقامة ثلاثة أشياء: الكسب، والإنفاق، والجمع، وهذه الأسباب متعلقة بالخلق وموجودة بوجودهم ومفقودة بالانفراد عنهم فمن زهد في هذه الثلاثة فقد زهد في الخلق ومن رغب في الخلق فقد رغب في هذه الثلاث، وقال الثوري: من خالط الناس داراهم ومن داراهم راياهم ومن راياهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا، وقد قال بعض هذه الطائفة
من الصالحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق: كيف الطريق إلى التحقيق؟ وقال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال: لاتنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت: لا بدّ لي من ذلك، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بدّ لي من ذلك، قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بدّ من معاملتهم، قال: فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذه العلة فقال: ياهذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله ﷿ على الدوام هذا ما لايكون، وقد جاء في فضل العزلة والانفراد وفي فضل الصمت، وفي جميع ماذكرناه من الجوع والسهر ومن مكابدة الليل ما يكثر جمعه فيما نبهنا عليه وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ولمن أريد بالمعاملة والمتاجرة ولا حول ولا قوّة إلا بالله. من الصالحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق: كيف الطريق إلى التحقيق؟ وقال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال: لاتنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت: لا بدّ لي من ذلك، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بدّ لي من ذلك، قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بدّ من معاملتهم، قال: فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة، قلت: هذه العلة فقال: ياهذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله ﷿ على الدوام هذا ما لايكون، وقد جاء في فضل العزلة والانفراد وفي فضل الصمت، وفي جميع ماذكرناه من الجوع والسهر ومن مكابدة الليل ما يكثر جمعه فيما نبهنا عليه وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ولمن أريد بالمعاملة والمتاجرة ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
[ ١ / ١٧٧ ]