في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة
وهو أنه يأخذ في تلاوة القرآن وفي أنواع الذكر من التسبيح والحمد والثناء وفي التفكر في عظمة الله ﷾ وآلائه وفي تواتر إحسانه ونعمائه، من حيث يحتسب العبد ومن حيث لا يحتسب وفيما يعلم العبد وفيما لا يعلم، ويتفكّر في تقصيره عن الشكر في ظواهر النعم وبواطنها وعجزه عن القيام بما أمره به من حسن الطاعة ودوام الشكر على النعمة، أو يتفكّر فيما عليه من الأوامر والنوادب فيما يستقبل، أو يتفكّر في كثيف ستر الله ﵎ عليه ولطيف صنعه به وخفيّ لطفه له وفيما اقترف وفرط فيه من الزلل وفي فوت الأوقات الخالية من صالح العمل، أو يتفكّر في حكم الله تعالى في الملك وقدرته في الملكوت وآياته وآلائه فيهما، أو يتفكر في عقوبات الله ﷿ وبلائه الظاهرة والباطنة فيهما ومن ذلك قوله ﷿: (وَذَكِّرْهُمْ بأَيَّامِ اللهِ) إبراهيم: ٥، قيل بنعمه وقيل بعقوباته ومنه قوله ﷿: (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الأعراف: ٦٩، ومثله (فَبأيّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الرحمن: ٢٥ أي بأي نعمة تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم وهما الثقلان، ففي أي نوع من هذه المعاني أخذ فيه فهو ذكر، والذكر عبادة، وهو يخرج إلى الفكر والفكر يدخل في الخوف، والذكر إذا قوي صار مشاهدة، كما قال ﷿: (يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا) آل عمران: ١٩١، ثم قالَ: (وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأَرْضِ) آل عمران: ١٩١ ثم قال: (سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران: ١٩١ ولا يكون مشاهدة إلا عن يقين واليقين روح الإيمان ومزيده وفن المؤمن، وقال بعض العلماء في تفسير الخبر تفكُّر ساعة خير من عبادة سنة، وهو التفكر الذي ينقل أي من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى القناعة والزهد، وقيل هو التفكر الذي يظهر مشاهدة وتقوى ويحدث ذكرًا وهدى، كقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا مَا فيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ٦٣، ولقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الزمر: ٢٨، أو يحدث لهم ذكرًا ومثله: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) البقرة: ٢١٩ في الدنيا والآخرة أي يفعلون لما يبقى ويرغبون فيما يدوم ويزهدون فيما يفنى وقد جعل الله ﷿ البيان
[ ١ / ٢٩ ]
يعلمنا اقتضاء الشكر عليه فقال: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة: ٨٩ وكما قال تعالى: (وَاذْكُرُوا مَا فيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ٦٣ وقد وصف أعداءه بعد ذلك فقال: (الَّذينَ كَانَتْ أعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِى) الكهف: ١٠١، وقالت أم الدرداء كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر، وقد كان يقول: ما يسرني أن أريح في كل يوم ثلاثمائة دينار أنفقها في سبيل اللّه ﷿، قيل: ولم ذلك؟ قال: يشغلني ذلك عن التفكّر، أو يعتقد حسن النيات وينوي جميل الطويات فيما بينه وبين الخالق تعالى وفيما بينه وبين الخلق أو يستغفر الله تعالى، ويجدد التوبة لما مضى من عمره ولما يأتنف من مستقبله، أو يخلص الدعاء بتمسكن وتضرع وتملّق وتخشع ووجل وإخبات إلى أن يعصمه من جميع المنهى، وأن يوفقه لصالح الأعمال ويتفضل عليه برغائب الأفضال وهو في ذلك فارغ القلب مجرد الهم موقن بالإجابة راض بالقسم، أو يتكلم بمعروف وخير ويدعو به إلى الله تعالى وينفع به أخاه، ويعلم من هو دونه في العلم، فهذه كانت أذكار المتقدمين وأفكار السالفين، وقد كان الذكر والفكر من أفضل عبادة العابدين وهو طريق مختصر إلى ربِّ العالمين ففي أي هذه المعاني أخذ فهو ذاكر لله ﷿، فلا يزال كذلك وهو في جميع ذلك مستقبل القبلة في مصلاه، ولا يُستحب له أن يتكلم أو يعمل غير ما ذكرناه من الأذكار، وقد كانوا يكرهون الكلام بغير معروف وتقوى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومنهم من شدّد في ذم الكلام من الفجر إلى صلاة الغداة بغير ذكر وبر، وهذه سنة قد خملت فمن عمل بها فقد ذكرها.
[ ١ / ٣٠ ]