روي أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب ﵁: لو لقيت اللَّه تعالى بعمل سبعين نبيًا لخشيت أنك لا تنجو من هول ذلك اليوم، وقال بعض السلف: لو أن العبد كان يجر على وجهه من أول الدنيا إلى قيام الساعة في طاعة اللَّه وعبادته لاحتقره يوم القيامة لما يرى من الزلازل والأهوال، وفي الحديث: معالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف وإن ألم شعرة من الموت لو وضع على جميع الخلائق لماتوا وإن بين الخلائق وبين الموت وبين دخول الجنة مائة ألف هول كل هول منها يزيد على ألم الموت مائة ألف ضعف لا ينجو العبد من كل هول منها إلا برحمة فيحتاج العبد إلى مائة ألف رحمة تنجيه من تلك الأهوال يكون ذلك العدد من الرحمة مقسومًا على مائة ألف حسنة أعطيها من حسناته في الدنيا التي أحسن بها إليه يكون مكانًا لظهور الرحمة وطريقًا لعطائها غدًا حكمة من الحكيم وقسمًا مدبرًا من الرحيم لأن الصالحات طرق الجزاء والحسنات كلها عن الرحمة الواحدة التي سبقت له بها النجاة ثم سقطت في طرقات الأعمال أماكن الثواب فيعطى ذلك ههنا اليوم وهوالعطاء الأول يحسن توفيقه ولطف عنايته ويعطى الجزاء هناك غدًا بفضل رحمته وتمام نعمته ذلك تقدير العزيز العليم كما قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُالإحْسِانِ إلاَّ الإحْسَانُ) الرحمن: ٦٠ قيل في الخبر: ما جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة، وقال بعض العلماء: وليس لقول لا إله إلا اللَّه جزاء إلا النظر لوجه اللَّه تعالى والجنة جزاء الأعمال ألم ترَ أنه لو حرم التوحيد اليوم لحرم الجنة ولو منع الإسلام اليوم لم يغفر اللَّّه له أبدًا كما قال ﷿: (إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ باللَّه فَقَدّْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الجَنَّة) المائدة: ٧٢ وقال: (إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَصَدّوا عَنْ سَبيِل اللَّه ثَمْ مَاْتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يغفرَ اللُّه لَهُم) محمد: ٣٤ فهذا مما لاحيلة فيه ولا سبيل إليه، وقد قال: (هُوَ أهْلُ التَقْوَى وَأهْلُ المَغْفِرَةِ) المدثر: ٥٦ قيل: هو أهل أن يعطى التقوى ومن أعطاه التقوى فهو أهل أن يعطيه المغفرة
[ ١ / ١٨٣ ]
كقوله تعالى: (وَأَلزَمَهُمْ كِلَمَةَ التَّقْوى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) الفتح: ٢٦ وقال: (وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمّْ تُرْحَمُونَ) الحجرات: ١٠ وقال: (إنَّ رَحّْمَةَ اللَّه قَريبٌ مِنَ المُحْسِنينَ) الأعراف: ٥٦ وقال سبحانه تمامًا على الذي أحسن وقال تعالى: (وَسَنَزيدُ الْمُحْسنينَ) البقرة: ٥٨، إلى قوله ماعلى المحسنين من سبيل، وقال تعالى: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيهَا حُسْنًا) الشورى: ٢٣، فمن كانت أعماله الحسنات فهو من المحسنين ومن كانت أعماله سيئة فهو من المسيئين فاشتقاق الحسنة من الحسن وجزاؤها الحسنى وهي الجنة واشتقاق السيئة من السوء وجزاؤها السوأى وهي النار وقدسبق خلقهما قبل خلق الخلائق وفرغ من نصيب العباد من الجنة والنار وسئل رسول اللَّه ﷺ عن الإحسان فقال: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فهذا أول المراقبة لأنها عن غير المشاهدة ترى الرقيب ثم تراقب، وقد خص اللَّه تعالى بالطيبّات من الأعمال الطيَّبين من العمال وابتلى بالخبيثات من الأعمال الخبيثين من العمال وفرغ من ذلك بعلمه وقدره بحكمه وأخفاه بلطفه فقال تعالى: (الْخَبيثَاتُ للْخَبيثينَ) النور: ٢٦ قيل الخبيثات من الأفعال والأقوال للخبثين من الرجال، وقال: (الطَىِّبَاتُ للِطَّيِبينَ) النور: ٢٦ وقيل: الطيِّبات من الأعمال والمقال للطيِّبين من الرجال، ثم أخبر بحسن خاتمة أوليائه وسوء خاتمة أعدائه فقال تعالى: (الَّذينَ تَتَوَفّاهُمُ الْملائِكَةُ طَيبّينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل: ٣٢، قيل: طابت حياتهم فطابت وفاتهم وطابت أعمالهم فطاب الموت لهم، وقال في وصف الظالمين: (الَّذينَ تَتوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالمِي أنْفُسِهِمْ) النحل: ٢٨ قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض قالوا: ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا أظلمت حياتهم وأعمالهم فأظلمت قبوررهم ومثواهم فمن شهد ما ذكرناه يقينًا دامت مراقبته وحسنت معاملته فاتصلت أوراده وكثر من الخير ازدياده ونفدت مشاهدته لصفاء يقينه ودوام مزيده فكان
ممن ندب اللَّه ﷿ في قوله تعالى: (لِمثِْلِ هذَا فَلْيَعمَلِ الْعَامِلُونَ) الصافات: ٦١ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول: (يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاِت وَهُمْ لَهَا سَابِقُون) المؤمنون: ٦١ أي يسارعون الموت ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ويسابقون البطالين ولعل بطالًا من الشاطحين جاهلًا بحكمة الحكيم يتوهم علينا بظنه أنَّا نقول إنه لا يعطي إلا شيئًا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما نقول إنه يعطي شيئين بلا شيء، فهو المعطي الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان من العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء الذي هو النعيم والجنان إلا أنه أجرى ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه لأنه حكيم عليم. ندب اللَّه ﷿ في قوله تعالى: (لِمثِْلِ هذَا فَلْيَعمَلِ الْعَامِلُونَ) الصافات: ٦١ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول: (يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاِت وَهُمْ لَهَا سَابِقُون) المؤمنون: ٦١ أي يسارعون الموت ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ويسابقون البطالين ولعل بطالًا من الشاطحين جاهلًا بحكمة الحكيم يتوهم علينا بظنه أنَّا نقول إنه لا يعطي إلا شيئًا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما نقول إنه يعطي شيئين بلا شيء، فهو المعطي الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان من العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء الذي هو النعيم والجنان إلا أنه أجرى ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه لأنه حكيم عليم.