ثم يعلم العبد يقينًا أنه تنشر له سنوه في الآخرة شهورًا وتبسط شهوره أيامًا وتفترش أيامه ساعات وتكشف ساعاته أنفاسًا ثم يسأل عن كل نفس وينشر له بكل فعلة فعلها وإن
[ ١ / ١٨٤ ]
صغرت ثلاثة دواوين: الأول لم فعلت وهذا مكان الابتلاء بالأحكام فإن سلم له نشر له، الديوان الثاني وهو كيف فعلت وهو موضع المطالبة بصحة العلم فإن صح له هذا نشر عليه، الديوان الثالث وهولمن فعلت وهذا مكان المطالبة في الإخلاص فإن اعتل بكيف أو بلم أو بلمن خيف عليه الهلكة إلا أن يتعطف عليه الكريم المنَّان بحيث لا يحتسب فيستنقذه ويسمج له وقد قال تعالى: (وَإنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ أَتَيْنَا بِهَا) الأنبياء: ٤٧ أي جئنا بها أي أحضرناها وقرئت بالمد آتينا بها بمعنى جازينا بها، وقال عزّوجلَّ: (فَمْنَ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًَّا يَرَهٌُ) الزلزال: ٧ - ٨ وقيل: هذه أحكم آية في كتاب اللَّه ﷿ وهي مجملة مبهمة عامة، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سئل عن شيء لم يوح إليه فيه بشيء يقول: ما عندي فيه إلا هذه الآية الجامعة الفاذة، فمن يعمل مثقال ذرة الآية، ولما تعلم صعصعة جد الفرزدق من أسفل القرآن إلى هذه السوة قال: حسبي حسبي قد عرفت الخير والشر فقال رسول اللَّه ﷺ: انصرف الرجل فقيهًا وقيل الذرة قشرة الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤس الإبر.
وروي عن ابن عباس أنه قال إذا وضعت كفك على التراب ثم رفعتها فكل شيء تعلق بها من التراب فهو ذرة، وقد قيل أربع ذرات خردلة، وذكر بعض العلماء أن الذرة جزء من ألف جزء من شعيرة، ففي الأعمال مايزن هذا الشبح ومايثقل به هذا الخفاء، فلذلك أخبر به الخبير وحذر منه الرؤوف وفي معنى ما ذكرنا آنفًا من حسب أنه يدخل الجنة بعمل فهو متعن ومن حسب أنه يدخلها بغير عمل فهو متمن يعني أنه ينبغي أن يعمل ما عليه ولا ينظر إليه ثم يتوكل في ذلك على اللَّه عزّوجلّ ويرجو قبوله بكرمه ويخاف رده بعدله ولذلك مدح اللَّه ﷾ عباده الصابرين له المتوكلين في أعمالهم عليه فأنعم أجرهم فقال: (نِعمَ أجْر العَامِلِينَ) (الَّذينَ صبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون) العنكبوت: ٥٨ - ٥٩ فالمزيد في الجنة بفضل اللَّه ورحمته هو تأبيد جزاء المعاملة الموهوبة اليوم ودوام خلود العامل في تأبيد جزائه ألم تسمع قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفَ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) الشورى: ٢٣ مع قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) إلى قوله: (فَأوُلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعفِ بِمَا عَمِلُوُا) سبأ: ٣٧ ومثله (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) الأنعام: ١٣٢ ونحوه: (أوُلَئِكَ يُؤْتُونَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنِةَ السَّيِّئةَ) القصص: ٥٤ أي وبما يدرؤون بالحسنة الحديثة السيئة القديمة فلما استعملهم في الدنيا بعملين بالصبر وبدرء السيئة الماضية بالحسنة المستأنفة أعطاهم في الآخرة أجرين، وهذا من الكلام المحذوف الموجز فمحذوفه وبما يدرأون أي وبما يدفعون أيضًا فلما حذفت بما أشكل الكلام فأشبهت
[ ١ / ١٨٥ ]
الواو واو النسق ومؤخره السيئة والمعنى يدفعون السيئة التي تقدمت منهم بالحسنة التي يعملونها بعدها فتكون الحسنة المستقبلة رافعة لعقاب السيئة الفارطة منهم ومن أحسن الصبر: الصبرعلى المصيبة ومن أحسن الحسنات: التوبة النصوح بعد ماسلف من الذنوب والفضوح فكأنهم قد عملوا عملين صبروا عن الشهوة ودفعوا بالتوبة ما سلف من السيئة فأعطاهم أجرين لما استعملهم بعملين إذ لا صبر إلا به ولا توبة لهم إلا منه كما قال تعالى: (وَمَا صبَرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ) النحل: ١٢٧ وقال: (تَوْبَةً مًنَ اللَّهِ) النساء: ٩٢ وليس من العبد أو إليه فيما من اللَّه وإلا كان مشركًا في اسم أوّل، ومن أحسن الحسنات مراقبة الرقيب عند خطرات القلوب ومن أفضل القربات محاسبة النفس للحسيب واستجابتها بطاعة الحبيب وكذلك حكمته في مزيد أهل النار ودركات بعضهم على بعض في العتوّ والفساد فقال تعالى: (إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَصَدَّوا عَنْ سَبيلِ اللَّه) النساء: ١٦٧ زدناهم عذابًا فوق العذاب أي زدناهم عذابًا فوق عذاب الذين كفروا ولم يصدوا عن سبيل اللَّه وبمعناه قوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لم يَكُنِ اللَّه لِيغْفَرَ لَُهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَريقًا) النساء: ١٦٨ فلم يغفر لهم بكفرهم ولم ينوِّر لهم طريق الهداية بظلمهم، وكذلك قال رسول اللَّه ﷺ: الظلم ظلمات يوم القيامة ومثل ذلك قوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ فَتَنُوا المؤمنين والْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَريقِ) البروج: ١٠ فصار عليهم عذابان: عذاب جهنم بما لم يتوبوا وعذاب الحريق بما فتنوا المؤمنين، ومثله قوله تعالى: (فَلاَ تُعجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلاَ أوْلادُهُمْ إنَّمَا يُريدُ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَياة الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَاِفرُون) التوبة: ٥٥ أي يريد أن يعذبهم بها في الدنيا ويريد أيضًا أن تزهق أنفسهم على الكفر ليعذبهم بها في الآخرة وهذا نص صريح: إن اللَّه تعالى يريد الكفر من الكافر لأن تزهق انتصب بالعطف على يريد الأول والواو فيه للجمع وقد قيل إن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا فيكون المعنى: ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الدنيا إنما يريد اللَّه ليعذبهم في الآخرة فأراد أن يجمع العذابين عليهم في جهنم: أحدهما الأموال والأولاد، والثاني لإرادته تعالى أن تخرج نفوسهم على الكفر فمن لا مال له ولا ولد له منهم كان عليه عذاب واحد في جهنم لأجل قوله تعالى: بها أي بسببها، وهذا مواصل للخبر الذي جاء أن
فقراء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم بخمسمائة عام لأجل الفقر الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك. اء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم بخمسمائة عام لأجل الفقر الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك.
وفي الخبر أيضًا وتدخل المرضى إلى الجنة قبل الأصحّاء بأربعين خريفًا ويدخل المقتول في سبيل الله مقبلًا قبل المقتول في اللَّه مدبرًا بأربعين خريفًا وتدخل المماليك قبل الموالي بأربعين خريفًا ويدخل سليمان بن داود الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا
[ ١ / ١٨٦ ]
لمكان ملكه فالحسرة العظمى والفوات الأكبر الذي لا درك له وهو تأبيد حرمان ما أعطي غيرك من المزيد هناك لفوت أوقاتك في الدنيا ههنا ثم درك ذلك بأوقاته العامرة ههنا تأبيد مزيد جزائه ثم وهذا هو التغابن؛ غبن العاملون البطالين وغبن السابقون المخلفين وغبن المسارعون المثبطين ثم خلود العبد البطال المغبون في الدنيا في تأبيد حرمان مزيد الغابن العامل ومن هذا قوله ﷺ: ما من ساعة تأتي على ابن آدم لا يذكر اللَّه تعالى فيها إلا كانت عليه حسرة وان دخل الجنة، وفي لفظ آخر، وهو أشد إلا كانت عليه ترة يوم القيامة أي مطالبة ومؤاخذة، فالحسرة في الجنة بعد دخولها والظفر بنعيمها هو ما ذكرناه من حرمان مزيد العاملين فيها ثم دوام الحرمان مؤبد بها وهو كون العبد في نقصان درجة غيره ثم هو مخلد في النقصان سرمدًا ومع ذلك فلا يؤبه له ولا يفطن به كيلا ينقص عليه نعيمه والطرفة والنفس إذا خلتا من اليقظة والذكر فيهما بمنزلة الساعة الخالية إلا أن النبي ﷺ نص على الساعة ولم يذكر ما دونها لأن اسم الساعة أقل الزمان المستعمل عند العرب ليواطىء بقوله قول اللَّه ﷾: (فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولاَ يَسْتَقّْدِمُونَ) الأعراف: ٣٤ ومعلوم أنه إذا جاء الأجل لا يستأخرون نفسًا ولا طرفة عين وكذلك لا يستقدمون طرفة ولانفسًا، فذكرت الساعة دون ما نقص منها لئلا يخرج الكلام عن حد استعمالهم وعرفهم وليستدل بها على ما دونها في القلة من النفس والطرفة، وكذلك دل رسول اللَّه ﷺ بنصه على الساعة على ما دونها لأن حكمته من حكمة مولاه وكلامه على معاني كلامه وقد دخلت الساعة فما دونهافي الأيام التي قال اللَّه تعالى: (كُلُوا وَاشرَبُوا هَنيئًا بِمَا أسْلَفْتُمْ في الأَيَّامِ الْخَاِليَةِ) الحاقة: ٢٤ قيل: هي واللَّه أيامكم هذه وستخلو فأشغلوها بالأعمال الصالحة قبل خلوّها منكم وانقضائها عنكم، وكان الحسن يقول: يا ابن آدم إنما أنت مراحل كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة فإذا فنيت المراحل بلغت المنزل إلى الجنة أو النار، فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا، وكما قال بعض الحكماء: مثل العبد في عمره مثل رجل في سفينة تسير وهو قاعد كذلك العبد يدنو من الآخرة وهو غافل ويقال: إن العبد تعرض عليه ساعاته في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربعة وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة نعيمًا ولذة وعطاء وجزاء لما كان أودع خزانته من ساعاته في الدنيا من الحسنات فيسره ذلك ويغتبط به، فإذا مرت به في الدنيا ساعة لم يذكر الله تعالى فيها رآها في الآخرة خزائن فرغًا لا عطاء فيها ولا جزاء عليها فيسوءه ذلك ويتحسر كيف فاته أن لم يدخر فيها شيئًا فيرى جزاءه مدخرًا ثم يلقى في نفسه الرضا والسكون فلو لم يتحسر العبد إلا على فوت الفضائل والمندوب إليه من الخيرات لكان في فوت المسابقة والمسارعة حسرات فكيف بمن فاته أوقاته في السيئات وفرطت منه في الخسارات ولو لم يشتغل العبد في عمره إلا بالحلال
[ ١ / ١٨٧ ]
والمباحات لكان ذلك نقصانًا من الدرجات له فكيف بمن شغل بالمحظورات؟ فسبحان اللَّه ما أعظم الخطر وأصعب الأمر وأقل المشاهدين لذلك وأغفل البطالين، وقد قال بعض العلماء: هب أن المسيء قد غفر له، أليس قد فاته ثواب المحسنين، وقد جاء في الأثر أن بعض أهل الجنة بيناهم في نعيم إذ سطع لهم نور من فوقهم أضاءت منه منازلهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا فنظروا إلى رجال من فوقهم أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء قد فضلوا عليهم في الأنوار والنعيم والجمال كما فضل القمر على سائر الكواكب فينظرون إليهم يطيرون على نجب تسرح بهم في الهواء حيث شاؤوا ويتزاورون بعضهم بعضًا يزورون ذا الجلال والإكرام فينادون هؤلاء: يا إخواننا ما أنصفتمونا، كنا نصلَّي كماتصلون ونصوم كما تصومون فما هذا الذي فضلتم به علينا؟ قال: فإذا النداء من اللَّه ﷿ إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ويعطشون
حين تروون ويعرون حين تكتسون ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ويخافون حين تأمنون فلذلك فضلواعليكم اليوم، فذلك قوله تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفّْسٌ مَا أُخِفْي َ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانوا بَعْمَلُون) السجدة: ١٧، وقد جاء في الخبر: أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب. ن تروون ويعرون حين تكتسون ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ويخافون حين تأمنون فلذلك فضلواعليكم اليوم، فذلك قوله تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفّْسٌ مَا أُخِفْي َ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانوا بَعْمَلُون) السجدة: ١٧، وقد جاء في الخبر: أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب.