فأما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من علم الخبر فهو إلهام وما وقع من علم الشر فهو وسواس وما وقع في القلب من المخاوف فهو الحساس وما كان من تقدير الخير وتأميله فهو نية وما كان من تدبيرالأمور المباحات وترجيها والطمع فيها فهو أمنية وأمل وما كان من تذكرة الآخرة والوعد والوعيد فهو تذكر وتفكير وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة وما كان من تحدث بمعاشها وتصريف أحوالها فهو هم وما كان من خواطر العادات ونوازع الشهوات فهو لمم، ويسمّى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطور عدوّ بحسد أو خطرة ملك بهمس، ثم إن ترتيب الخواطر المنشأة من خزائن الغيب القادحة في القلب على ستة معانٍ، وهذه حدود الشيء المظهر ثلاثة منها معفوة وثلاثة منها مطالب بها، فأول ذلك الهمة وهو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء
[ ١ / ٢٢٠ ]
يجده العبد بالحس كالبرقة فإن صرفها بالذكر امتحت وإن تركها بالغفلة كانت خطرة وهو خطور العدوّ بالتزيين وإن نفى الخاطر ذهب وإن ولي عنه قوي فصار وسوسة وهذا محادثة النفس للعدوّ وإصغاؤها إليه وإن نفى العبد هذه الوسوسة بذكر الله خنس العدوّ وصغت النفس، وهذه الثلاث معفوة برحمة الله تعالى غير مؤاخذ بها العبد وإن أمرج العبد النفس في محادثة العدوّ وطاولت النفس العود بالإصغاء والمحادثة قويت الوسوسة فصارت نية فإن أبدل العبد هذه النية بنية خير فاستغفر منها وتاب وإلا قويت فصارت عقدًا فإن حلّ هذا العقد بالتوبة وهو الإصرار والأقوى فصار عزمًا وهو القصد.
وهذه الثلاثة من أعمال القلب مأخوذ بها العبد ومسؤول عنها فإن تداركه الله تعالى بعد العزم وإلا تمكن العزم فصار طلبًا وسعيًا وأظهر العمل على الجوارح من خزائن الغيب والملكوت فصار من أعمال الجسم في خزانة الملك والشهادة، فهذه الأعمال توجد من أعمال البر والإثم، فما كان منها من البر همة ونية وعزمًا كان محسوبًا للعبد في باب النيات مكتوبًا له في ديوان الإرادة له به حسنات وما كان منها من الشر نية وعقدًا وعزمًا فعلى العبد فيه مؤاخذه من باب أعمال القلوب ونيات السوء وعقود المعاصي وليس شيء مجانس للعدوّ مؤاخٍ له إلا النفس جمع الله تعالى بينهما في الوسوسة بقوله: (الوَسْواسِ الخَنَّاس) الناس: ٤، وقوله: (ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بهِ نَفْسُهُ) ق: ١٦، وكل شيء خلقه الله تعالى فله مثل وضد، فمثل النفس الشيطان وضدهما الروح، ثم إن أعمال الجوارح من النوعين الطاعة والمعصية أعظم في الأجر والوزر معًا إلا ما لا يتأتى أن يعمله بظاهر الجسم من شهادة التوحيد أو وجود شك أو كفر أو اعتقاد بدعة.