ومن اشتهر بإحياء الليل كله وصلّى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة أو ثلاثين سنة حتى نقل عنه ذلك أربعون من التابعين منهم: سعيد بن المسيب وصفوان بن سليم المدنيان وفضيل بن عياض ووهيب بن الورد المكيان وطاوس ووهب بن منبه اليمانيان والربيع بن خيثم والحكم بن عيينة الكوفيان وأبو سليمان الداراني وعلي بن بكار الشاميان وأبو عبد الله الخواص وأبو عاصم العباديان وحبيب أبو محمد وأبو جابر
[ ١ / ٧٢ ]
السلماني الفارسيان ومالك بن دينار وسليمان التيمي ويزيد الرقاشي وحبيب بن أبي ثابت ويحيى البكاء البصريون وكهمس بن المنهال، وكان يختم في الشهر تسعين ختمة وما لم يفهم رجع فقرأه مرة أخرى وأيضًا من أهل المدينة أبو حازم ومحمد بن المنكدر في جماعة يكثر عددهم، هؤلاء المشهورون منهم، فإن أحب المريد نام ثلث الليل الأول وقام نصفه ونام سدسه الأخير، وإن أراد نام نصف الليل وقام ثلثه ونام سدسه، فقد روي أن هذا من أفضل القيام وإنه كان قيام نبي اللّه ﷿ داود ﵇، جاء ذلك في روايتين وإن أحب العبد قدم القيام فيهما وأخر وتره إلى السحر فإن قام نصف الليل قسم نومه في أوّل الليل وآخره فإن قام ثلث الليل نام سدسه الأخير وإن اختار أن يقوم من أول الليل حتى يغلبه النوم ثم ينام ثم يقوم متى استيقظ ثم ينام متى غلبه النوم ثم يقوم آخر الليل فيكون له في الليل نومتان وقومتان فهذا من مكابدة الليل وهو من أشد الأعمال وهذه طريقة أهل الحضور واليقظة وأهل التذكار والتذكرة فقد كان هذا من أخلاق رسول الله ﷺ، قال أنس ابن مالك ما كنت تريد أن ترى رسول الله ﷺ نائمًا إلا رأيته ولا كنت تريد أن تراه قائمًا إلا رأيته وكان هذا مذهب ابن عمر وأولي العزم من الصحابة في قيام الليل وفعله جماعة من التابعين، وقد رأينا من كان له في الليل قومات ونومات في تضاعيف ذلك، فإما أن يكون المنام والقيام موزونًا عدلًا فليس ذلك إلا لنبي بقلب دائم اليقظة وبوحي من الله ﷿ ولا يسلك هذا الطريق إلا بأسباب هي زاده لأن كل طريق يقطع بزاد مثله فمن أراده احتقب وأخذ من زاده فالأسباب أحدها هم يلزم القلب وحزن يسكن فيه أو يقظة دائمة يحيا بها القلب وفكر في الملكوت متصل وخلو المعدة من الطعام وقلة الشرب وأن يقيل بالنهار ولا يكثر تعب جوارحه في أمر الدنيا فهذه رياضة المريد إلى أن يألف القيام وليستوطن حينئذ فيتجافى جنبه لما في قلبه من الخوف والرجاء الذي قد استكن فيه.
وروي عن الله ﷾: إن عبدي الذي هو عبدي حقًا الذي لا ينتظر بقيامه صياح الديك ففي هذا حث على القيام قبل السحر ونوم آخر الليل نستحبه لمعنيين: أحدهما أنه يذهب بالنعاس بالغداة وقد كانوا يكرهون النعاس بالغداة ويأمرون الناعس بعد صلاة الصبح بالنوم، والمعنى الثاني أنه يقل صفرة الوجه فلو قام العبد أكثر الليل ونام سحرًا ذهب نعاسه بالغداة وقلت صفرة وجهه ولو نام أكثر الليل وسهر من السحر جلب عليه النعاس بالغداة وصفرة الوجه فليتقِ العبد ذلك فإنه باب غامض من الشهرة والشهوة الخفيفة وليقل شرب الماء بالليل فقد يكون منه الصفرة سيما في آخر الليل وبعد الانتباه من النوم.
وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أوتر من آخر الليل فإن كانت له حاجة إلى أهله دنا منهن وإلا اضطجع في مصلاه حتى يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة
[ ١ / ٧٣ ]
وقالت أيضًا ما ألفيته السحر الأعلى إلا نائمًا تعني رسول الله ﷺ، وفي الخبر الآخر كان النبي ﷺ إذا أوتر من آخر الليل اضطجع على شقه الأيمن ضجعة حتى يأتيه بلال فيخرج معه إلى الصلاة فقد كان السلف يستحبون هذه الضجعة بعد الوتر وقبل صلاة الصبح حتى قال بعضهم فهي سنة - منهم أبو هريرة ومروان - والنوم من آخر الليل وفي الثلث الأخير مزيد لأهل المشاهدة والحضور لأنه كشف لهم من الملكوت واستماع العلوم من الجبروت وهو راحة وسكن للعمال وأهل المجاهدة ولذلك حظرت الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر ليستريح عمال الله ﷿ وأهل أوراد الليل والنهار فيهما، والنوم من آخر الليل هو نقصان لأهل السهو والغفلة من حيث كان مزيدًا لأهل الشهود واليقظة لأنه آخر خدمة أولئك ففيه راحتهم وهو تطاول النوم والغفلة بهؤلاء فهو نقصهم وليفصل العبد في تضاعيف صلاة الليل بجلوس يسبح فيه مائة تسبيحة فذلك ترويح له وعون على الصلاة وهو داخل في قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) سورة ق: ٤٠، أي أعقاب الصلاة في أحد الوجهين على قراءة من نصب وإن أراد المزيد أحيا الوردين اللذين من أوّل الليل أحدهما بين العشاءين والثاني قبل نومة الناس فإن إحياء هذين الوردين عند بعض العلماء أفضل من صيام يوم ثم ليقم الورد الرابع وهو ما بين الفجرين وهو أوّل ثلث الليل الأخير أو الورد الخامس وهو السحر الخير قبل طلوع الفجر الثاني وهو يصلح للقراءة والاستغفار إن كان لم يعتد للقيام في جوف الليل، وفي خبر أبي موسى ومعاذ لما التقيا قال معاذ لأبي موسى: كيف تصنع في قيام الليل؟ قال: أقومه أجمع لا أنام منه شيئًا وأتفوّق القرآن فيه تفوقًا، قال معاذ: لكني أنام ثم أقوم وأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي، فذكرا ذلك لرسول الله ﷺ فقال لأبي موسى: معاذ أفقه منك، وقد كان بعضهم لا ينام حتى يغلبه النوم، وكان بعض السلف يقول: هي أوّل نومة فإن انتبهت ثم عدت إلى نومة أخرى فلا أنام الله عينيّ، وسئل فزارة الشامي عن وصف الأبدال وكانوا يظهرون له فقال أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة وصمتهم حكمة وعلمهم قدرة، وقيل لآخر صف لنا الخائفين، فقال: أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى ولا يدع العبد أن يقوم مقدار خمس الليل أو سدسه وهو ورد من أوراد الليل أو وردان على اختلافهما في الطول والقصر متفرقًا كان قيامه أو متصلًا وأي ورد أحياه من الليل بأي نوع من الأذكار فقد دخل في أهل الليل وله معهم نصيب ومن أحيا أكثر ليلته أو نصفها كتب له إحياء جميعها وتصدق عليه بما بقي منها، ومن صلّى في ليلة عشرين ركعة وأوتر بعدها بثلاث حسب له كأنه أحياها بفضل الله ورحمته، وقد كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة نصف الليل وليلة ثلثه وليلة ثلثيه وذلك مذكور في أوّل الآيتين من قيام الليل في سورة المزمّل وقد كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة نصف الليل ونصف سدسه معه ويقوم
[ ١ / ٧٤ ]
ليلة ربعه ويقوم ليلة سدس الليل حسب وذلك مذكور في آخر الآيتين من قيام الليل وهذا على قراءة من كسر ونصفه وثلثه فأما من نصب فقال ونصفه وثلثه فإنه يعني يقوم النصف مع نصف السدس والنصف وحده والثلث وحده وهو الذي ذكرناه من الآية الأولى.
وقد جاء في التفسير نحو هذا وهو ﷺ مفترض عليه صلاة الليل، فالآية الأولى أمره تعالى بقيام الليل فيها والأخرى أخبر عنه بقيامه كيف هو فالأجود أن يكون ما أخبر عنه مواظبًا لما أمره به فالذي أمره به أنه قال تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ) المزمل: ٢، ثم استثنى القليل منه فقال: (إلاّ قَليلًا) المزمل: ٢، ثم فسر أمره فقال نصفه أو أنقص منه قليلًا يعني والله أعلم أنقص نصف السدس أو نصف الثلث هذان أقل أسماء النقصان عند العرب، ثم قال: (أَوْ زِدْ عَلَيهِ) المزّمّل: ٤ أو زد عليه يعني زد على النصف كأنه رد عليه نصف سدس الليل لأنه أخبر عنه في الآية الأخرى بأقل من الثلثين فقال: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل يكون هذا نصفًا ونصف سدس وهو أقل التسمية عندهم، ثم قال: ونصفه أي ويعلم أنك تقوم نصفه أيضًا وثلثه أي وتقوم ثلثه، فهذه الأخبار أشبه بوطء الأمر من قراءة من كسر فقال ونصفه وثلثه يريد وتقوم أدنى من نصفه وهو الربع أو الثلث وأدنى من ثلثه وهو السدس أو نصف السدس.
وقد قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يقوم من الليل إذا سمع الصارخ يعني الديك فهذا يكون من السحر فقط فكان هذا يكون سدس الليل أو نصف سدسه ففيه رخصة وسعة لقوّام الليل، قلنا هذا تقريب لا تحديد والله أعلم والنصب اختيارنا في القراءة على معنى كثرة القيام ولمواطأة الخبر عنه للأمر، وقد جاء في الأثر صلِّ من الليل ولو قدر حلب شاة فهذا قد يكون أربع ركعات وقد يكون ركعتين، وقال أبو سليمان: من أحسن في نهاره كوفئ في ليله ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره وكان يقول: أهل الليل على ثلاث طبقات منهم إذا قرأ متفكرًا بكى ومنهم إذا تفكر صاح وراحته في صياحه ومنهم من إذا قرأ وتفكر بهت فلم يبك ولم يصح، قلت له: من أي شيء صاح هذا ومن أي شيء بهت هذا؟ فقال: لا أقوى على التفسير، وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأتخذ طهوري فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك يا ابن أخي، وكان الحسن إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم قال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون.
وقال بعض السلف: كيف ينجو التاجر من سوء الحساب وهو يلغو بالنهار وينام بالليل، وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل له: ما هو؟ قال رأيت رجلًا بكى فقلت في نفسي هذا مراء، وقال بعضهم: دخلت على كرز بن وبرة وهو يبكي، فقلت: ما بالك أتاك نعي بعض أهلك؟ فقال: أشد، فقلت وجع يؤلمك؟ قال:
[ ١ / ٧٥ ]
أشد، قلت فما ذاك؟ قال: بابي مغلق وستري مسبل ولم أقرأ جزئي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثه، وقال محمد بن شبانة: سمعت بعض الشيوخ الثقات المستورين ببغداد يقول: سمعت ابن الصافي البقال بدينور يقول: كان بدينور سجان قال إني بقيت على باب السجن نيفًا وثلاثين سنة فما من أحد حمل إلى السجن من الذين أخذهم الطوف بالليل إلا سألته فقلت له هل صليت صلاة العشاء الآخرة في جماعة إلا قال لا، وقال أبو سليمان: لا يفوت أحدًا صلاة في جماعة إلا بذنب وكان يقول: الاحتلام بالليل عقوبة والجنابة البعد فكأنه بعد من الصلاة والتلاوة إذ في ذلك قرب ومن هذا قوله تعالى: (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) القصص: ١١، وكان الحسن يقول إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار.
وقال بعض العلماء: إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر وعلى أي شيء تفطر فإن العبد ليأكل الأكلة فينقلب قلبه عما كان عليه فلا يعود إلى حاله الأول، وقال آخر: كم من أكلة منعت قيام الليل، وكم من نظرة حرمت قراءة سورة وإن العبد ليأكل الأكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة فبحسن التفقد تعرف المزيد من النقصان وبقلة الذنوب يوقف على التفقد وكان الفضيل يقول: لو رزقت من فهم القرآن وقيام الليل في أول أمري ما رزقت الآن، ما كتبت حديثًا قط ولا اشتغلت بغير القرآن، ويقال إن طول القيام راحات القيامة وإن صلاة الليل كفارات الكبائر وقيل إنه جبران لما نقص من الفرائض من صلاة الليل، وقد كانوا يستحبون في صلاة النهار كثرة الركوع والسجود وفي صلاة الليل طول القيام، واعلم أنّ صلاة الليل نافلة لرسول الله ﷺ لأنه كان متممًا لفرائضه وصلاة الليل تكملة لفرائضنا، وفي الخبر: إذا نام العبد عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد فإن قعد وذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عقدة، وإن صلّى ركعتين انحلت العقد كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح كسلانًا خبيث النفس، وفي الخبر أن الرجل إذا نام حتى يصبح بال الشيطان في أذنه، وقد روينا في الخبر الآخر أن للشيطان سعوطًا ولعوقًا وذرورًا فإذا أسعط العبد ساء خلقه وإذا ألعقه ذرب لسانه بالشر وإذا ذره نام بالليل حتى يصبح ويستعان على قيام الليل بثلاث: أكل الحلال، والاستقامة على التوبة، وغم خوف الوعيد أو شوق رجاء الموعود، والذي يحرم العبد به قيام الليل أو يعاقب معه بطول الغفلة ثلاث: أكل الشبهات أو إصرار على الذنب وغلبة هم الدنيا على القلب.
[ ١ / ٧٦ ]