ومعنى الإعتبار بذلك لذوي الأبصار يستحب للعبد أن ينام على طهارة سابعة، وإلا مسح أعضاءه بالماء مسحًا، وقد كانوا يستحبون السواك عند النوم، فكان رسول الله ﷺ يفعله، وكان بعض السلف يجعل عند رأسه سواكه وطهوره، فإذا انتبه من الليل استاك ومسح أعضاءه بالماء مسحًا، وكانوا يذكرون الله ﷿ بالتلاوة والتسبيح في تقلبهم ويعدون هذا يعدل قيام الليل، وقد روي هذا الخبر عن عمر بن الخطاب ﵁ وعن غيره، وروينا عن رسول الله ﷺ نحوه وأنه كان يستاك في ليلة مرارًا عند كل قومة من نومه فليعد العبد طهوره وسواكه عند رأسه وينوي قيام الليل فأي وقت استيقظ توضأ وصلّى أو قعد فقرأ أو دعا وذكر الله ﷿ واستغفره أو تفكر في آلائه وعظمته ومعاني قدرته ففي أي وجه أخذ من هذه المعاني فهو ذكر، وقد استعمل بذلك وفيه قربة إلى الله ﷿، وهو فضل من الله تعالى ورحمته عليه، ولا ينبغي للعبد أن يبيت وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده فإنه لا يأمن القبض بالوفاة، وقد ندب رسول الله ﷺ إلى ذلك في قوله: لا ينبغي لعبد أن ينام ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده، ويقال: من مات عن غير وصية لم يؤذن في الكلام في البرزخ إلى يوم القيامة، تتزاور الأموات ويتحدثون وهو لا يتكلم فيما بينهم إلى يوم القيامة فيقول بعضهم لبعض: هذا المسكين مات عن غير وصية فيكون ذلك حسرة عليه بينهم، وموت الفجأة تخفيف ومستحب للمؤمن الفقير للثواب الذي حلب لا مال له ولا دين عليه فأما المثقل بالدين والمخلط في الدين ومن له مال أو هو مصر على مطل فإن موت الفجأة لهؤلاء عقوبة ومكروه، ولا ينبغي للعبد أن يبيت إلا تائبًا من كل ذنب، سليم القلب لجميع المسلمين، لا يحدث نفسه بظلم أحد، ولا يعقد على الخطيئة إن استيقظ، وقد جاء في الخبر: من أوى إلى فراشه لا ينوي ظلم أحد ولا يحقد على أحد غفر له ما اجترم
[ ١ / ٦٥ ]
وليستقبل في نومه القبلة واستقبال القبلة، على ضربين إن كان مستلقيًا فاستقباله القبلة أن يكون وجهه إليها مع أخمص قدميه كحال الميت المسجى وإن كان نائمًا على جنب فاستقبال القبلة أن يكون وجهه إليها مع شقه الأيمن كهيئة الملحد في قبره فسيصير إليه عن قريب وليذكر بنومه على هذين الحالين عند موته وحين اضطجاعه في قبره، وقد قال الله ﷿: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كفَاتًا) (أَحيَاءً وَأَمَوَاتًا) المرسلات: ٢٥ - ٢٦، في أحد الوجهين وهو مذهب أهل التفسير أي يكفتهم ويجمعهم أحياء على ظهرها وأمواتًا في بطنها، وقد جعل الله ﷾ النوم من آياته الدالة عليه لأهل السمع منه وهو سمع اليقين وقرنه بالابتغاء من فضله فقال ﷿: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِالَّليْلِ وَالَّنهَارِ وَاْبِتغَاؤُكُمْ مِنْ فَضِلْهِ إنَّ في ذِلكَ لآياتٍ لَقوْمٍ يَسْمَعُون) الروم: ٢٣، وكان فقراء أهل الصفة وبعض زهاد التابعين إذا رقدوا لا يجعلون بينهم وبين الأرض شيئًا، كان أحدهم يباشر التراب بجلده ويطرح ثوبه فوقه ويقول: منها خلقناكم وفيها نعيدكم، كأنهم كرهوا الترفع عليها والوقاية منها يجدون ذلك أرق لقلوبهم وأبلغ في تواضعهم، ومثل النوم عند أهل الاعتبار مثل البرزخ هو بين الدنيا والآخرة كذلك النوم بين الحياة والموت فإذا كشف حجاب النوم ظهرت الدنيا بالحكمة وكذلك إذا كشف الغطاء ظهرت الآخرة بالقدرة فصارت الدنيا كلاأحلام في النوم وقد قال الله ﷿: (وَهُوَ الّذي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيعْلَمُ مَاجَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فيهِ) الانعام: ٦٠ وكان بعضهم يقول عجبًا لمن يعصي الله ﷿ ثم ينام بعد ذلك.
وذكر بعض العلماء عن الله ﷿: إن كنتم تعصوني فاخرجوا من بساطي ولا تناموا في قبضتي، وقال لقمان لابنه: يا بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم، فكما أنك تنام فكذلك تموت، وإن كنت تشك في البعث فإذا نمت فلا تنتبه، فكما أنك تنتبه بعد نومك فكذلك تبعث بعد موتك، فيلتذكر العبد عند نومه حين موته وليعلم أن الله تعالى يكون له يعد موته كما كان العبد له قبل نومه فلينظر على أي حال نام وعلى أي هم توفاه الله عليه وليتذكر بانتباهه البعث فإن العبد يبعث على ما مات عليه في الدنيا فيبعث بهمه ويحشر مع محبوبه كما ينتبه النائم عن همه إلى محبوبه الذي نام عنه، وفي الخبر أن المرء مع من أحب وله ما احتسب، وروي عنه ﷺ: من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة، وروينا عن كعب الأحبار قال: إذا نمت فاضطجع على شقك الأيمن واستقبل القبلة بوجهك فإنها وفاة.