وهذا الإمام أبو يوسف القاضي (يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي ثم البغدادي)، المولود سنة ١١٣، والمتوفي سنة ١٨٢ رحمه الله تعالى، صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه وناشر علمه ومذهبه، وقاضي الملوك الخلفاء العباسيين الثلاثة: المهدي والهادي والرشيد، وأول من دعي: قاضي القضاة، وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا:
يباحث - وهو في النزع والذماء: النفس الأخير من الحياة - بعض عواده في مسألة فقهية، رجاء النفع بها لمستفيد أو متعلم،
_________________
(١) ص ٨٧.
[ ٢٨ ]
ولا يخلي اللحظة الأخيرة من لحظات حياته من كسبها في مذاكرة علم وإفادة واستفادة.
«قال تلميذه القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ثم المصري: مرض أبو سيف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج؟
ثم قال: يا إبراهيم، أيما أفضل في رمي الجمار - أي في مناسك الحج - أن يرميها ماشيًا أو راكبًا؟ قلت: راكبًا، قال: أخطأت، قلت: ماشيًا، قال: أخطأت، قلت: قل فيها، يرضى الله عنك. قال: أما ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه ماشيا، وأما ما كان لا يوقف عنده فالأفضل أن يرميه راكبًا. ثم قُمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات، ﵀ عليه (١).
_________________
(١) هكذا غلاء العلم عند السلف، يتذاكرون به ويبحثون في مسائله ومشكلاته حتى عند الموت ووداع الحياة! فلله درهم ما أحب العلم إلى قلوبهم؟ وجاء في «توالي التأنيس بمعالي محمد بن إدريس» أي الإمام الشافعي، للحافظ ابن حجر، ص١٠٥، «قال ابن أبي حاتم: سمعت المزني يقول: قيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ قال: أسمع بالحرف - أي بالكلمة - مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعا تتنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان. فقيل له: كيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره». وبمثل هذا الشغف والعشق للعلم يتكون النبوغ والإمامة فيه.
[ ٢٩ ]
وهذه طريقة العلماء والمشايخ، فإنهم يقولون: - طلب العلم - من المهد إلى اللحد» (١).