قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، في كتابه «مدارج السالكين» (١)، وهو يتحدث عن منزلة الغيرة وشمولها لكثير من الأمور، فذكر منها الغيرة على الوقت بقوله:
الغيرة على وقت فات! وهي غيرة قاتلة، فإن الوقت وحي التقضي -أي سريع الانقضاء- أبي الجانب، بطيء الرجوع. والوقت عند العابد: هو وقت العبادة والأوراد، وعند المريد: هو وقت الإقبال على الله، والجمعية عليه، والعكوف عليه بالقلب كله. والوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك! فإذا فاته الوقت لا يمكنه استدراكه البتة، لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص، فإذا فاته وقت فلا سبيل له إلى تداركه.
ومعنى أنها (غيرة قاتلة) أي أن أثرها يشبه القتل، لأن حسرة الفوت قاتلة، ولا سيما إذا علم المتحسر: أنه لا سبيل إلى الاستدراك. وأيضًا
_________________
(١) ٤٩:٣.
[ ٢٣ ]
فالغيرة على التفويت تفويت آخر، كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر! ولذلك يقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك (١).
فالوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته، فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع! وطلب الرجعى فحيل بينه وبين الاسترجاع! وطلب تناول الفائت، وكيف يرد الأمس في اليوم الجديد؟! (وأنى لهم التناوش من مكان بعيد)؟! (٢) ومنع مما يحبه ويرتضيه، وعلم أ، ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه، وحيل بينه وبين ما يشتهيه!
فيا حسرات، مال إلى رد مثلها سبيل! ولو ردت لهان التحسر!
_________________
(١) قال ابن أبي جمرة في كتابه «بهجة النفوس» ٩٦:٣ «معناه: اقطع الوقت بالعمل، لئلا يقطعك بالتسويف». انتهى. ويمكن أن يقال معناه: أنك إذا لم تكن يقظا للاستفادة من الوقت والانتفاع به، هلكت كما يهلك من وجهت إليه الضربة بالسيف، فإن لم يكن يقظا لردها والسلامة منها قطعته وأهلكته، فإن الوقت سيف قاطع، وبرق لامع. ولهذا قال القائل: وكن صارما كالوقت فالمقت في عسى وإياك علا فهي أخطر علة! وقالوا: من علامة المقت، إضاعة الوقت.
(٢) من سورة سبأ، الآية ٥٢. والتناوش: التناول. والآية الكريمة تتحدث عن حال الكفار في الآخرة، الذين فوتوا على أنفسهم في الدنيا: الإيمان بالله تعالى. أي: ومن أين لهم في الآخرة تناول الإيمان، والتوبة من الكفر؟ وقد كان قريبا منهم في الدنيا فضيعوه! وكيف يقدرون على الظفر به في الآخرة وهي بعيدة من الدنيا؟!.
[ ٢٤ ]
والواردات سريعة الزوال، تمر أسرع من السحاب، وينقضي الوقت بما فيه، فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه، فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك، فإنه عائد عليك لا محالة، لهذا يقال للسعداء في الجنة: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) (١)، ويقال للأشقياء المعذبين في النار: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تمرحون) (٢). انتهى بتصرف يسير.
جميع المصالح تنشأ من الوقت فمن أضاعه لم يستدركه أبدًا
وقال الإمام ابن القيم أيضًا، في كتابه «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» (٣): «أعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان الله والدار الآخرة، فما كان لله فهو أنواع، ، النوع الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم (٤) كله عليه، فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدًا!
قال الشافعي ﵁: صحبت الصوفية، فلم أستفد منهم سوى حرفين، أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإن لم تقطعه قطعك، وذكر الكلمة الأخرى، و: نفسك إن شغلتها بالحق وإلا شغلتك بالباطل.
_________________
(١) من سورة الحاقة، الآية ٢٤.
(٢) من سورة غافر، الآية ٧٥.
(٣) ص ٢٠٨و٢٠٩.
(٤) أي: الهمة والعزم.
[ ٢٥ ]
فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، ومادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم. وهو يمر أسرع من السحاب، فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه طويلا، فهو يعيش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة: فموت هذا خير له من حياته، وإذا كان العبد وهو في الصلاة: ليس له من الصلاة إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله تعالى».