ولازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم، والعبادة والأوراد والصيام
[ ٧٢ ]
والذكر، والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها، ملبسه ثوب خام، وعمامته سختيانية صغيرة». توفي سنة ٦٧٦ رحمه الله تعالى، فكانت حياته ٤٥ سنة، وترك من المؤلفات الكثيرة العظيمة ما قسموه على أيام حياته، فكان لكل يوم فيها أربعة كراريس.
الطبيب ابن النفيس إمام في الطب والفقه وحفظ الوقت
ومن العلماء الكبار، والأطباء الأفذاذ النبغة الأخيار، الذين حافظوا على الوقت واللحظات، وتسجيل الأفكار والخطرات، في أغرب الأوقات والساعات: شيخ الطب في عصره ابن النفيس الدمشقي ثم المصري. جاء في ترجمته في «روضات الجنات» للخوانساري (١)، نقلا عن «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي، ما أقطف منه ما يلي:
«الإمام الفاضل الحكيم العلامة علاء الدين ابن النفيس على بن أبي حزم القرشي - نسبة إلى بلدة قرش من بلاد ما وراء النهر - المولود بدمشق في حدود سنة ٦١٠، والمتوفي بالقاهرة سنة ٦٨٧ رحمه الله تعالى.
كان إماما في علم الطب، أوحد، لا يضاهي في ذلك ولا يداني استحضارا ولا استنباطا، وله في الطب التصانيف الفائقة، والتواليف الرائقة.
صنف كتاب «الشامل» في الطب، وتدل فهرسة هذا الكتاب على أنه يكون في ثلاث مئة سفر، ذكر ذلك بعض أصحابه، وبيض منها
_________________
(١) ٥: ٢٩٠ - ٢٩٣، بزيادة يسيرة.
[ ٧٣ ]
ثمانين سفرًا. وألف كتاب «المهذب في الكحل»، و«شرح القانون لابن سينا» في عدة أسفار، وغير ذلك في الطب (١).
وله معرفة بالمنطق، وصنف فيه مختصرا، وشرح كتاب «الهداية» لابن سينا في المنطق، وصنف أيضا في أصول الفقه، والفقه، والعربية، والحديث، وعلم البيان، وغير ذلك، وشرح من أول «التنبيه» لأبي إسحاق الشيرازي في فروع الشافعية، من أوله إلى (باب السهو)، شرحًا حسنًا، وكان قد تولى تدريس الفقه في المدرسة المسرورية بالقاهرة.
وقال الإمام برهان الدين إبراهيم الرشيدي: كان العلاء بن النفيس، إذا أراد التصنيف، توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كل القلم وحفى، رمى به وتناول غيره، لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم. وكان يكتب - إذا صنف - من صدره، من غير مراجعة حالة التصنيف.