ووصف أمير المؤمنين - ﵁ - هذا القسم من حملة العلم بصفاتٍ منها أنه هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، ومعنى ذلك أن العلم دلهم على المقصود الأعظم وهو معرفة الله فخافوه وأحبوه حتى سهل ذلك عليهم كما ما تعسر على غيرهم، فلم يصل إلى ما وصلوا إليه ممن وقف مع الدنيا وزينتها وزهرتها واغتر بها ولم يباشر قلبه معرفة الله وعظمته وإجلاله،
[ ٣٢٥ ]
واستلانوا ما استوعر منه المترفون، فإن المترف الواقع مع شهوات الدنيا ولذاتها يصعب عليه ترك لذاتها وشهواتها لأنه لا عوض عنده من لذات الدنيا إذا تركها، فهو لا يصبر على تركها، فهؤلاء في قلوبهم العوض الأكبر بما وصلوا إليه من لذة معرفة الله ومحبته وإجلاله كما كان الحسن يقول: إن أحباء الله هم الذين ورثوا طيب الحياة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم وبما وجدوا من لذة حبه في قلوبهم. . . من كلامٍ يطول ذكره في هذا المعنى، وإنما أنس هؤلاء بما استوحش منه الجاهلون لأن الجاهلين بالله يستوحشون من ترك الدنيا وشهواتها لأنهم لا يعرفون سواها، فهي أًنسهم، وهؤلاء يستوحشون من ذلك ويستأنسون بالله وبذكره ومعرفته ومحبته وتلاوة كتابه، والجاهلون بالله يستوحشون من ذلك ولا يجدون الأنس به. ومن صفاتهم التي وصفهم بها أمير المؤمنين علي - ﵁ - أنهم صحبوا الدينا بأبدان أرواحها معلقة بالنظر الأعلى، وهذا إشارة إلى أنهم لم يتخذوها وطنا ولا رضوا بها إقامة ولا مسكنا، إنما اتخذوها ممرا ولم يجعلوها مقرا، وجميع الكتب والرسل أوصت بهذا، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه في وعظه لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] وقال النبي ﷺ لابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، فكأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل» .
وفي رواية: «وعد نفسك من أهل القبور» .
[ ٣٢٦ ]
ومن وصايا المسيح المروية عنه ﵇ أنه قال لأصحابه: اعبروها ولا تعمروها.
وعنه ﵇ أنه قال: من الذي يبني على موج البحر دارا؟! تلك الدنيا فلا تتخذوها قرارا.
فالمؤمن في الدنيا كالغريب المجتاز ببلدة غير مستوطن فيها، فهو يشتاق إلى بلده وهمه الرجوع إليه والتزود بما يوصله في طريقه إلى وطنه، ولا يُنافس أهل ذلك البلد المستوطنين فيه في عزهم، ولا يجزع مما أصابه عندهم من الذل.
قال الفضيل بن عياض: المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه مرمة جهازه.
وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن.
وفي الحقيقة فالمؤمن في الدنيا غريب لأن أباه لما كان في دار البقاء ثم خرج منها فهمه الرجوع إلى مسكنه الأول، فهو أبدا يحن إلى وطنه الذي أُخرج منه كما يقال: " حب الوطن من الإيمان " وكما قيل:
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزل
ولبعض شيوخنا في هذا المعنى:
فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيهم المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرم
فأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم
[ ٣٢٧ ]
والمؤمنون في هذا القسم أقسام: منهم من قلبه معلق بالجنة، ومنهم من قلبه معلق عند خالقه وهم العارفون، ولعل أمير المؤمنين - ﵁ - إنما أشار إلى هذا القسم. فالعارفون أبدانهم في الدنيا وقلوبهم عند المولى.