١ - عن حذيفة بن اليمان -﵁- قال:
(كان الناس يسألون رسول اللَّه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول اللَّه: إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا اللَّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم: قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟؟ قال: نعم وفيه دخن (٢) قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستهدون بغير هدى، تعرف منهم وتنكر.
قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول اللَّه: صفهم لنا.
قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.
_________________
(١) انظر فتنة المسيح الدجال ومقدماتها: زاهد يحيى الزرقي صـ ٣٤.
(٢) وفيه دخن: أي خير غير خالص.
[ ١٣٩ ]
قلت: فما تأمرنى إن أدركني ذلك؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
قلت: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة؟
قال: فاعتزل الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل الشجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك (١).
٢ - وفى رواية أبي داود:
(قال. أن كان للَّه خليفة في الأرض، فضرب ظهرك وأخذ مالك، فأطعه، وإلا وأنت عاض بجذل شجرة.
قلت: ثم ماذا؟
قال: ثم يخرج الدجال. . .) (٢).
٣ - رواية أخرى: عن حذيفة -﵁- قال:
(إن أصحاب النبي -ﷺ- كانوا يسألون عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أدركه، وإنى بينما أنا مع رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم قلت: يا رسول اللَّه: أرأيت (٣) هذا الخير الذي أعطانا اللَّه (٤). هل بعده من شر كما كان قبله شر؟
قال: نعم
قلت: فما العصمة منه؟
قال: السيف (٥).
_________________
(١) رواه الشيخان وابن ماجه، انظر مشكاة المصابيح: ٥٣٨٢.
(٢) رواه أبو داود وأحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) أرأيت: أخبرني.
(٤) أعطانا اللَّه: يعني الإسلام.
(٥) السيف: أي تحصل العصمة باستعمال السيف وهو الجهاد.
[ ١٤٠ ]
قلت: وهل للسيف من بقية (١)؟
قال: هدنة على دخن (٢)
قلت: يا رسول اللَّه: ما بعد الهدنة؟
قال: دعاة للضلالة (٣)، فإن لقيت للَّه يومئذٍ خليفة في الأرض فالزمه، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فاهربن في الأرض حد هربك (٤)، حتى يدركك الموت وأنت عاض على أصل شجرة.
قلت: يا رسول اللَّه: فما بعد الضلالة؟
قال: خروج الدجال. . .) (٥).
يشير النبي -ﷺ- في هذه الأحاديث التي رويت عن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان -﵁- إلى الشر الذي يكون بعد وفاة النبي -ﷺ-، حيث قتل أمير المؤمنين عمر -﵁- وفتح باب الفتن على مصراعيه من أوانه ثم مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁-، والحروب التي نشبت بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين في صفين والجمل وفتنة الخوارج ودعوتهم الباطلة ثم مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- وتولى الحكم من قبل الغلمان الجائرين
_________________
(١) هل للسيف من بقية: أي هل يبقى استعمال السيف بقية في الناس؟
(٢) هدنة على دخن: صلح على فساد وحقد في النفوس.
(٣) وفى رواية البخاري السابقة (دعاة على أبواب جهنم) أي: يدعون إلى الكفر البواح الذي يخرجهم من الإسلام ويكون مصيرهم جهنم.
(٤) حد هربك: أي منتهى هربك وأقصى ما تستطيع من البعد عن الفتنة وأهلها.
(٥) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في تحقيقه لكتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح للكشميرى): وأصل الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم وعند أبي داود وابن ماجه والنسائي ورواه الحاكم في المستدرك مختصرًا في موضعين واستشهد الحافظ بن حجر في فتح الباري بجمل من حديث ابن أبي شيبة فهو حديث صحيح أو حسن عنده.
[ ١٤١ ]
ومقتل الحسين بن علي عنهما ومقتل كثير من الصحابة كعبد اللَّه بن الزبير وغيره، واستباحة مدينة الرسول في يوم الحرة وضرب الكعبة بالمنجنيق أيام الحجاج، ثم توقفت الفتن والحروب بعد ذلك وانتشرت الفتوحات الإسلامية فكان خيرًا ولكن فيه دخن، أي خبر غير خالص تشوبه بعض المنكرات والترف وظهور البدع والفرق التي فرقت المسلمين وجعلتهم طرائق قددًا، وهذه الفرق -لا شك- كانت تهدى بغير هدى النبي -ﷺ- حيث كان في أقوالهم حق مشوب بالباطل، لعدم اتباعهم المنهج الذي رسمه النبي -ﷺ- واتبعه أصحابه من بعده، ثم كان بعد ذلك الخير العميم -الذي استمر أكثر من عشرة قرون- كان بعده الشر الذي تمثل في ظهور الدعاة على أبواب جهنم، وهم دعاة الكفر والإلحاد، الذين ظهروا في منتصف القرن الرابع عشر الهجري ومطلع هذا القرن الميلادى، فقلوبهم قلوب الشياطين الذين توغر بالحقد والكره للحق وأهله، وتطرب للباطل والشر ودهاقنة الكفر والضلال، النبي -ﷺ- يوصى حذيفة وأمته من خلاله أن تعتزل هذه الفرق الضالة كلها، وتتمسك بأهداب الكتاب والسنة، وعلى المسلم أن يبقى متمسكًا بمبادئ الحق، عاضًا بالنواجذ على إيمانه بأحقية الإسلام، ويعتزل هذه الفرق كلها ولو أن يلزم جزع شجرة ماسكًا به حتى يدركه الموت وهو كذلك على الحق المبين، غير حائر ولا وجل ليأمن الفتنة في دينه، هكذا كانت وصية الرسول -ﷺ- لحذيفة وأمته من بعد حذيفة.