حدث هذا الانشقاق في عهد النبي -ﷺ- وهي معجزة من معجزات النبوة وبرهان ساطع في البراهين الكثيرة التي تدفع عقول الجاحدين، إذ أن القمر بعيد عن متناول الناس وهو في السماء بلا شك وليس مما يطمع في الوصول
_________________
(١) صحيح الجامع: رقم ٧٧٥٦
[ ٢٣ ]
إليه، وقد كان هذا الإنشقاق كإعجاز لأهل مكة عندما سألوه -ﷺ- أن يريهم آية معجزة
قال تعالى. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ١ - ٢].
قال ابن كثير: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قد كان هذا في زمان رسول اللَّه -ﷺ- كما وورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء؛ أي: إنشقاق القمر، وأنه وقع في زمان النبي -ﷺ-، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات (١).
١ - روى الشيخان عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-؛ قال:
"انشق القمر على عهد رسول اللَّه -ﷺ- شقتين، فقال النبي -ﷺ-: اشهدوا" (٢).
٢ - وروى الشيخان عن أنس -﵁-:
"أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه -ﷺ- أن يريهم آية، فأراهم إنشقاق القمر" (٣)
٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود؛ قال:
"بينما نحن مع رسول اللَّه -ﷺ- بمنى، إذ إنفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول اللَّه -ﷺ-: إشهدوا"
قال الحافظ في (الفتح) في الرد على المنكرين لهذه الحادثة:
"وقال الخطابى: وقد أنكر بعضهم إنشقاق القمر فقال: لو وقع ذلك لم
_________________
(١) تفسير بن كثير ٤/ ٢٦١
(٢) اللؤلؤ والمرجان حديث ١٧٨٤
(٣) اللؤلؤ والمرجان حديث ١٧٨٥
[ ٢٤ ]
يجز أن يخفى أمره على عوام الناس؛ لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعى متوفرة على رؤية كل غريب ونقل ما لم يعهد، فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل التفسير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على نزكه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره.
والجواب على ذلك: أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها؛ لأنه شيء طلبه خاصة في الناس، فوقع ليلًا لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نيامًا ومستكينين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يحتمل أنَّه كان في ذلك الوقت مشغولًا بما يلهيه من سمر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس وإنما رأه من تصدى لرؤيته ممن إقترح وقوعه".