١ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتنى مكانه) (١).
٢ - وعنه أيضًا قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (والذي نفسى بيده لا تذهب الدنيا، حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتنى كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء) (٢).
قال ابن حجر في الفتح: قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتنى مكانه): أي كنت ميتًا. قال ابن بطال: تغبط أهل القبور، وتمنى الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصى والمنكر. وليس هذا عامًا في حق كل أحد وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه وأهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه.
ثم قال الحافظ: (والسبب في ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وبهذا جزم القرطبي، ثم قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه ونفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم أمر العبادة أيام الفتنة) (٣).
_________________
(١) رواه البخاري: ٨/ ١٠٠ كتاب الفتن ومسلم برقم: ١٥٧ في الفتن وأشراط الساعة.
(٢) رواه مسلم برقم: ١٥٧ في الفتن وأشراط الساعة.
(٣) فتح الباري: ١٣/ ٧٥ وما بعدها. باب الفتن.
[ ٧٠ ]
٣ - أخرج الحاكم عن أبي سلمة -﵁- قال: عدت أبا هريرة -﵁- فقلت: اللهم أشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسى بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر. وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتنى مكانه) (١).
٤ - وفي كتاب الفتن من رواية عبد اللَّه بن الصامت عن أبي ذر -﵁- قال: يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول: يا ليتنى مكان هذا.
قلت: يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر عظيم، قال: أجل.
إن شدة المحن والإبتلاء وما يصيب الناس من ضيم وفتن تجعل الرجل يتمنى الموت الذي هو من أعظم المصائب في الدنيا، وسماه القرآن الكريم (الفزع الأكبر) و(مصيبة الموت) (٢) وهذا التمنى ليس من باب التدين والتقرب إلى اللَّه تعالى وحبًا في لقائه، وإنما بسبب المعاناة التي تنتاب الناس وقسوة العيش وضراوة الفتن واختلافها وتعددها، بل إن الحديث النبوى ليصور حجم هذه المأساة التي تصيب الناس حتى تجعل الرجل يتمرغ بقبر أخيه وصاحبه لا حبًا واشتياقًا له!! وإنما حبًا بالتخلص من العيش وفرارًا من ضراوة المعاناة وضنك العيش.
قال عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: (سيأتى عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه).
_________________
(١) نقلًا عن فتح الباري ١٣/ ٧٥ وما بعدها باب الفتن عند شرح حديث (حتى يمر الرجل بقبر الرجل. . .).
(٢) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾، وقوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾
[ ٧١ ]
وقال الشاعر:
وهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت يباع فاشتريه
وقال آخر:
أيا دهر أعملت فينا أراكًا ووليتنا بعد هجر قفاكا
قبلت الأشرار علينا رؤوسأ ووليت سفلتنا مستواكا
فيا دهر إن كنت عاديتنا فها قد عملت بنا ما كفاكا
• هل يجوز تمنى الموت؟
في الأحاديث السالفة إشارة إلى جواز تمنى الموت خوفًا على الدين ولا ينافى ذلك قوله -ﷺ-: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضرٍّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) (١).
لأن هذا النهي إنما وارد إذا كان التمنى بسبب في أمر دنيوى أو مصيبة في النفس أو الأهل أو المال، أما إذا كان تمنى الموت خوفًا على ذهاب الدين لفساد الزمان وتمادى الفتن، فلا مانع من ذلك، وهذا موافق لما ورد في الدعاء: (وإذا أردت فتنة في قوم فتوفنى غير مفتون) (٢).
قال الحافظ في الفتح نقلا عن ابن عبد البر: (ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهى عن تمنى الموت، وليس كذلك وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه، لا لضرر ينزل في الجسم) (٣).
_________________
(١) رواه البخاري: ٧/ ١٥٥ ومسلم: ٢٦٨٠.
(٢) جزء من حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد برقم: ٣٤٨٤ والترمذي: ٣٢٣١.
(٣) فتح الباري: ١٣/ ٧٥ كتاب الفتن.
[ ٧٢ ]
وقال الحافظ ابن حجر: (ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله: (وليس به اليد إنما هو النبلاء) فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودًا، ويؤيده ثبوت تمنى الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف.
قال النووي. لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم ثم قال: قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد إعتناء إلا بدنياه ومعاشه ونفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة، ويؤخذ من قوله: (حتى يمر الرجل بقبر الرجل) أن التمنى المذكور وإنما يحصل عند رؤيته القبر، وليس ذلك مرادًا، بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمنى؛ لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمنى أو يخف عند مشاهدة القبر فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه.
فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرف ما شاهده منة وحشة القبر وتذكر ما فيه عن استمرار على تمنى الموت) (١).
وقد وقع هذا التمنى فعلًا في وقتنا الحاضر بسبب ضنك العيش واستشراء الفساد وغلبة أهل الباطل وصولان أهل البدع والضلالات واللَّه المستعان.