يخبر المصطفى -ﷺ- عن أيام تستشرى فيها الفتن وتشرأب القلوب إلى الحناجر، حيث تنتاب الناس أمور شداد وأهوال عظام، ويعتريهم زمن صعب فيه شدة ومرارة ويمتلك فيه الأراذل واللئام، ويسود فيه الفسقة والطغاة البهم والأسافل سادات الناس ووجهائهم، وفى ظل هذه الأيام المضنية التي تحدث عنها النبي -ﷺ- إذ يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وتكون باطن الأرض خيرًا من ظاهرها، ويضام أهل الحق ويعز أهل الباطل، في هذه الأيام يحثنا الصادق المصدوق -ﷺ- على إعداد الإيمان العميق والفهم الدقيق، الإيمان بحتمية الإستقامة على صراط اللَّه والصبر على هذه الإستقامة، الإيمان بأحقية منهج اللَّه، الإيمان بيوم الوقوف غدًا بين يدى اللَّه تعالى حثنا على العض على هذا الإيمان بالنواجذ، خوفًا من الإلتواء والذوبان في بوتقة الكفر والرذيلة، وإكراه النفوس على طاعة اللَّه وعدم الإنخراط والميل من الهوى وعند ذلك وعندما نكون كذلك في مستوى هذا التسامى والحب لطاعة اللَّه، يكون المصير والمال هو النعيم الدائم والسعادة الأبدية في بحبوحة الحنان في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولنقرأ معًا هذا النصح النبوى: قال -ﷺ-: (شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن الرحيل قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فإن روائكم عقبة كوؤدًا لا يقطعها إلا المخففون: أيها الناس: إن بين يدى الساعة أمورًا شدادًا وأهوالًا عظامًا يتملك فيه الظلمة ويتصدر
[ ١٥٠ ]
فيه الفسقة فيضطهد فيه الآمرون بالمعروف ويضام الناهون عن المنكر فأعدوا لذلك الإيمان وعضوا عليه بالنواجذ والجئوا إلى العمل الصالح واكرهوا عليه النفوس واصبروا على الضراء، تفضوا إلى النعيم الدائم) (١)
وقال -ﷺ-: (العبادة في الهرج كهجرة إلى) (٢) حيث يشير النبي -ﷺ- إلى أفضلية الانقطاع إلى اللَّه تعالى والملاذ به في أيام الفتن والهرج حيث تكون للعبادة أفضلية خاصة، وذلك عندما تشراءب الأعناق إلى الدنيا وسفاسفها ويزهد الناس في الخير والطاعة، عند ذلك تكون العبادة كهجرة إلى رسول اللَّه -ﷺ- وللعابد المتمسك بدينه والصابر على طاعة اللَّه أجر المهاجر إلى رسول اللَّه -ﷺ- فهنيأً لمن تمسك بأهداب الكتاب والسنة وصبر على طاعة اللَّه في أيام الفتق فإن له الأجر العظيم في ذلك.
قال -ﷺ-: "عبادة في الهرج والفتنة كهجرة إلى" (٣)
* * *
_________________
(١) رواه الطبراني.
(٢) رواه مسلم وانظر صحيح الجامع رقم: ٣٩٩٨.
(٣) رواه الطبراني وانظر صحيح الجامع: رقم ٣٨٦٩.
[ ١٥١ ]