١ - عن المقدام بن معد يكرب -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ -: (يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته، يحدث بحديث من حديثى، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللَّه، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وأن ما حرم رسول اللَّه -ﷺ- مثل ما حرم اللَّه) (٣).
٢ - في رواية أخرى عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (ألا وأنى أتيت هذا الكتاب
_________________
(١) يوشك: يقرب، كلمة تدل على مدة قريبة غير بعيدة.
(٢) رواه مسلم برقم: ١٥/ ٤١.
(٣) التخريج لاحقًا.
[ ٩٣ ]
ومثله معى، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة (١) معاهد (٢)، إلا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقرؤه (٣)، فإن لم يقرؤه، فله أن يعقبهم (٤) بمثل قراه) (٥).
٣ - عن أبي رافع -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (لا ألفين (٦) أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه أمرى مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: (لا أدرى، ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه) (٧).
من علامات الساعة التي أخبر عنها رسول اللَّه -ﷺ- ظهور أناس يرفضون اتباع السنة النبوية والعمل بها زاعمين أن السنة النبوية قد وصلت إليهم عن طريق خبر الآحاد، وخبر الآحاد لا يفيد إلا الظن في الحكم أو أنها -السنة- تخالف العقل والمنطق والعلم في بعض جوانبها!!
فأطلقوا على أنفسهم زورًا وبهتانًا (القرآنيون) وهي كلمة حق أريد بها باطل، زاعمين أن القرآن قد وصل إليهم عن طريق التواتر القطعى الدلالة،
_________________
(١) للقطة: هو ما يوجد في الأرض مرميًا لا يعرف صاحبه.
(٢) المعاهد: هو الذي بينه وبين المسلمين معاهدة واتفاق ويجرى حكمه حكم الذمى المستأمن، فيكون معصوم الدم والمال فلا يجوز أخذ لقطته في ديار المسلمين.
(٣) يقرؤه: القرى: الضيافة للغريب المسافر إكرامًا له.
(٤) يعقبهم: أن يأخذ منهم إن لم يضيفوه بقدر حق ضيافته وذلك من أموالهم.
(٥) رواه الإمام أحمد في المسند: ٤/ ١٣٠ وأبو داود برقم: ٤٦٠٤ والترمذي برقم: ٢٦٦٦ وابن ماجه برقم: ١٢ والحاكم برقم: ١/ ١٠٩ وابن حبان برقم: ١١.
(٦) لا ألفين: الفيت الشئ: إذ وجدته.
(٧) نفس مصادر الحديث الذي قبله في هذا الموضوع.
[ ٩٤ ]
وأن اللَّه تعالى قد تعهد بحفظه، فهم لا يأخذون إلا منه حسب.
لقد جهل هؤلاء أو تجاهلوا أن السنة النبوية هي الأصل الثاني من المصادر التشريعية وهي مفصلة القرآن وشارحه له، وموضحه مجملة مبينة محكمة، مطلقة مقيدة، مخصصة عامة، وساء في ذلك الأمور الغيبية الإعتقادية أو الأحكام العملية والسياسية والتربوية، ولا يجوز في حال من الأحوال ردها أو مخالفتها بزعم أنها تخالف الرأى أو الاجتهاد أو القياس أو العقل أو أنها من أخبار الآحاد (١).
إن الدين لا يؤخذ بالعقل بل يؤخذ بالوحى، والسنة النبوية من الوحي ومصدر من مصادر التشريع الإسلامي، يقول الإمام على -﵁-: (لو كان الدين بالعقل، لكان مسح باطن الخف أولى من مسح ظاهره) أي أعلاه، والمعنى واللَّه اعلم: أن لو كانت الأحكام التشريعية تؤخذ عن طريق العقل من دون الرجوع إلى تعاليم النبي -ﷺ- يمسح ظاهر الخف فأتبعه وطبق سنته من دون الرجوع أو الإلتفات إلى العقل.
إن الذين يتبجحون بأنهم اتباع القرآن حسب إنما يريدون بذلك رفض الإِسلام كله، وهي دعوة عملية ومأجورة جاءت من أرباب الغزو الفكري وأوحوها إلى فروخهم في الشرق ليطعنوا الإسلام وينفثوا سمومهم الخبيثة وأفكارهم الماكرة في ربوع المجتمع الإِسلامي وبالتالى يؤولون القرآن كما يشاؤون وبما يوحى إليهم أساتذتهم ودهاقنتهم من أعداء الإسلام.
لقد ظهر أهل التأويل من قبل، فأولوا القرآن حسب بدعهم وأراجيفهم المسمومة والحاقدة، واتبعهم في ذلك ذيولهم من الفرق والملل الضالة، وظهر
_________________
(١) يراجع في قبول حجية خبر الأحاد: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعى.
[ ٩٥ ]
في العصر الحديث (القرآنيون) الذين هم فروخ المعتزلة ومن المتأثرين بمنهجهم العقلى السقيم، فأخذوا يؤولون القرآن حسب ما توحى إليهم عقولهم الناقصة وانكروا كثير من الأحاديث الصحيحة بزعمهم أنها تتضارب مع العقل، وتأثر بهم وشجعهم واتبع منهجهم قوم ممن ضللهم الغرب ودهاقنته فسموا أنفسهم (العصرانيون) أي الذين يؤولون النصوص حسب مقتضيات العصر، وبذلك تجرؤوا على السُّنَّة وطعنوا في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة التي تلقتها الأمة الإِسلامية منذ عهودها النيرة بالقبول والاستحسان.
إن اللَّه تعالى قد تعهد بحفظ القرآن الكريم وإن من ضمن هذا الحفظ، حفظ السنة النبوية؛ لأن النبي -ﷺ- يقول: (ألا وأنى أتيت القرآن ومثله معى) وقد أمر اللَّه تعالى باتباع نبيه فقال:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فكيف نأخذ ما أتانا الرسول وننتهى عما نهانا عنه إلا باتباع سنته؟
على أن من جوانب حفظ السنة النبوية هو ما هيئه اللَّه تعالى لسنة -ﷺ- من رجال بذلوا مهجهم وأرواحهم وأموالهم وعقولهم وأوقاتهم في سبيل خدمة السنة النبوية وتنقية الصحيح من السقيم وبذلك نقلوها إلينا ﵏ مصفاة منقاة، وتخصصت الأمة الإِسلامية بعلم لم يسبقها إلى مثله أحد، ألا وهو علم الرجال (الجرح والتعديل)، وفي هذا العلم يكمن السر الإلهى في تسخير هؤلاء الرجال لحفظ السنة النبوية وإظهارها للأمة الإِسلامية مصانة معافاة من كل يد مسمومة تمتد إليها أو عقل سقيم مأجور يشكك فيها.
قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إنى قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدًا: كتاب اللَّه وسنتى، ولن يفترقا حتى يرد على الحوض).
[ ٩٦ ]
وبهذا الحديث الشريف يصفع رسول اللَّه -ﷺ- هؤلاء العملاء المشبوهين في وجوههم، إذا أعطانا -ﷺ- العاصم لنا في حياتنا بحيث لا نضل ولا نزيغ عن الهدى إذا اتبعناهما ألا وهما كتاب اللَّه وسنة نبيه، وبذلك يتبين لك أخي المسلم ضلال هؤلاء الطاغين وانكشاف عوارهم.
قال ابن أبي العز الحنفى: (فالواجب كمال التسليم للرسول -ﷺ- والإنقياد لأمره، وتلقى خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، ونحمله شبهة أو شكًا، أو تقدم عليه أراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل (١) بالعبادة والخضوع والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب اللَّه إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول) (٢).
٤ - روى أبو داوود وابن ماجه والحاكم عن حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميرى حدثه، قال: (كان معاذ بن جبل يتحدث بما لم يسمع أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ويسكت عما سمعوا، فبلغ عبد اللَّه بن عمرو ما يتحدث به فقال: واللَّه ما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول هذا، وأوشك معاذ أن يفتنكم في الخلاء، فبلغ ذلك معاذ، فلقيه، فقال: معاذ: يا عبد اللَّه بن عمرو، وإن التكذيب بحديث رسول اللَّه -ﷺ- نفاق، وإنما أثمه على من قاله، لقد سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، والظل، وقارعة الطريق) (٣). فالتكذيب بحديث رسول اللَّه -ﷺ- بحجة أن المكذب لم يسمع به نفاق، فكيف بمن يكذب بحديث رسول
_________________
(١) المرسل: هو اللَّه ﵎.
(٢) العقيدة الطحاوية لابن أبي العز.
(٣) صحيح ابن ماجه: ١/ ٢٦٢.
[ ٩٧ ]
اللَّه الذي اتفقت الأمة الإسلامية بأسرها على قبوله -لأنه لا يوافق عقله ومنهجه وفهمه السقيم؟؟!!
إن التمسك بالقرآن دون السنة ضلال وإن التمسك بالسنة دون القرآن ضلال وإن الحق في التمسك بهما واتباعهما معًا.