الخوارج قوم مبتدعون، سموا بذلك لخروجهم على أئمة المسلمين، وتكفيرهم لعثمان وعلى -﵄-، وتأولوا في الدين، فكفروا مرتكب الكبيرة، واستباحوا دماء المسلمين وحرماتهم، وهم من أهل التنطع في الدين، حيث أظهروا التقشف والزهد، وكان منهم قراء للقرآن لشدة
_________________
(١) رواه البخاري ٣/ ١٣٠ ومسلم برقم: ٤، والترمذي برقم: ٢٦٦٤.
[ ٣٤ ]
اجتهادهم في العبادة والتلاوة، إلا أنهم كانوا يستبدون برأيهم ويؤولون أحكام القرآن حسب أهوائهم فجرهم ذلك الكبر إلى مزالق الشيطان.
حاول الإمام على -﵁- تبصيرهم وإرجاعهم إلى الصواب ولكن دون جدوى، فلما أفسدوا في الأرض واستباحوا الحرمات قتلهم شر قتلة واستباح دمائهم فقتلوه -﵁- غدرًا وظلمًا.
صفاتهم (١):
١ - هم كلاب النار: عن أبي أمامة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (الخوارج كلاب النار) (٢).
٢ - شر الخلق والخليقة: عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرقبة، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة) (٣).
٣ - الدجال يخرج في عراضهم (٤): قال ابن عمر: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول. (كلما خرج قرن قطع) (٥) أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في عراضهم الدجال (٦).
_________________
(١) مختصرة عن (فقد جاء أشراطها) محمود عطيه محمد على: (٢٢٠) وما بعدها.
(٢) صحيح الجامع: ٣٣٤٢.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي: ٧/ ١٧٤. الخلق: الناس والخليقة: البهائم.
(٤) يخرج في عراضهم: يناصرون الدجال الكذاب لأنهم أهل بدع ويكونون معه في جيشه.
(٥) كلما خرج قرن قطع: كلما ظهروا سلط اللَّه عليهم من يستأصلهم إلى أن يخرجوا مع الدجال ويقتلوا معه.
(٦) صحيح الجامع: ٨٠٢٧.
[ ٣٥ ]
٤ - آيتهم التي ميزتهم يوم النهروان:
روى الشيخان عن أبي سعيد الخدرى -﵁- قال: (بينما نحن عند رسول اللَّه -ﷺ- وهو يقسم قسمًا، آتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول اللَّه إعدل!! فقال: ويلك!! ومن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إئذن لي فيه فاضرب عنقه.
فقال: دعه: فإن له أصحاب يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه (٢) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٣) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه (٤) فلا يوجد منه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم (٥) رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة (٦) تدردر (٧) ويخرجون على حين فرقة من الناس (٨)
قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا الحديث في رسول اللَّه -ﷺ-، وأشهد أن على بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس
_________________
(١) نصله: حديدة السهم.
(٢) رصافه: عصبه الذي يكون فوق مدخل السهم.
(٣) نضيه: عود السهم قبل أن يرامش وينصل.
(٤) قذذه: ريش السهم.
(٥) آيتهم: علامتهم.
(٦) البضعة: قطعة اللحم.
(٧) تدردر: تضطرب.
(٨) فرقة من الناس: يخرجون في زمان الناس فيه مختلفين متخاصمين.
[ ٣٦ ]
فأتى به، حتى نظرت إليه على نعت النبي -ﷺ- الذي نعته (١)
٥ - يقتلون أهل الإِسلام ويوادعون أهل الأوثان
روى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدرى -﵁- قال: (بعث على -﵁- إلى النبي -ﷺ- بذهيبة (٢) فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلى ثم المجاشعى، وعيينة بن بدر الفزارى، وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامرى ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطى صناديد أهل نجد ويدعنا؟ قال: إنما أتألفهم.
فأقبل رجل غائر العينين (٣)، مشرف الوجنتين (٤)، ناتئ الجبين (٥)، كث اللحية (٦)، محلوق (٧).
فقال: اتق اللَّه يا محمد!!
فقال: من يطع اللَّه إذا عصيت؟! أيأمننى اللَّه على أهل الأرض ولا تأمنونى؟!.
فسأله رجل قتله -أحسبه خالد بن الوليد- فمنعه، فلما ولى، قال: إن من ضئضئ هذا -أو في عقب هذا- قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل
_________________
(١) فتح الباري: ٦/ ٣٦١٠.
(٢) ذهيبة: قطعة من ذهب.
(٣) غائر العينين: عيناه غائرتان داخلتان في وجهه.
(٤) مشرف الوجنتين: غليظهما.
(٥) ناتئ الجبين: مرتفع.
(٦) كث اللحية: كثير شعرها.
(٧) محلوق: أي شعر رأسه محلوق وهو مخالف لما كان عليه العرب في تربية شعر الرأس.
[ ٣٧ ]
الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل (١) عاد (٢).
٦ - سيماهم التحليق
روى أحمد والشيخان عن سهل بن حنيف قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:
(يخرج من المشرق أقوام محلقة رؤوسهم، يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يعدون تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) (٣).
٧ - يقرؤون القرآن كشربهم اللبن!!
روى الطبراني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (سيخرج قوم من أمتي يشربون القرآن كشربهم (٤) اللبن) (٥).
٨ - أهل قول لا عمل:
روى أبو داود والحاكم عن أبي سعيد وأنس معًا: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (سيكون في أمتي إختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم (٦)، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب اللَّه وليسوا منه في شيء من قاتلهم، كان أولى باللَّه منهم، سيماهم التحليق) (٧).
_________________
(١) قتل عاد: قتلًا شديدًا.
(٢) صحيح الجامع: رقم (٢٢٢٣).
(٣) صحيح الجامع: رقم (٧١١٣).
(٤) يشربون القرآن كشربهم اللبن: كناية عن عدم تطبيقهم للأحكام وإنما يقرؤونه مجرد قراءة من دون تدبر وخشوع وعمل.
(٥) صحيح الجامع: ٣٥٤٧.
(٦) لا يجاوز تراقيهم: أي لا يدخل من القرآن إلى قلوبهم شيء وإنما يقرؤونه بألسنتهم فقط من دون عمل.
(٧) صحيح الجامع: ٣٥٦٢.
[ ٣٨ ]
٩ - يرى الناس أعمالهم حقيرة بالنسبة لأعمالهم (الخوارج):
روى الشيخان وابن ماجة عن أبي سعيد الخدرى -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (يخرج فيكم قوم تحقرون (١) صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. . .) (٢).
١٠ - هم المارقون من الدين:
روى البزار وابن عاصم في السنة عن على بن أبي طالب -﵁-، قال يوم النهروان: (أمرت بقتال المارقين، وهؤلاء المارقون) (٣).
١١ - تقتلهم أولى الطائفتين بالحق:
عن أبي سعيد الخدرى -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:
(تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق) (٤).
وهذه المارقة هي فرق الخوارج، وقتلها أولى الطائفتين بالحق وهي طائفة على -﵁- فهي التي كانت على الحق.
١٢ - تحريض رسول اللَّه -ﷺ- على قتلهم وأجر من قتلهم:
روى الشيخان وأبو داود عن علي -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان (٥)، سفهاء الأحلام (٦)،
_________________
(١) تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم: أي تثقالون عبادتكم مقارنة بعبادتهم فهم أهل عبادة ظاهرًا.
(٢) صحيح الجامع: ٧٩٠٩.
(٣) السنة لابن أبي عاصم بتحقيق الشيخ الألباني، رقم ٩٠٧.
(٤) صحيح الجامع: ٢٩٩٤.
(٥) حدثاء الأسنان: شباب صغار السن.
(٦) سفهاء الأحلام: ضعفاء العقول عندهم خفة في العقل.
[ ٣٩ ]
يقولون من خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم، فاقتلوهم، فإذ قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) (١).
١٣ - نظرتهم لخروجهم على أنه هجرة في سبيل اللَّه تعالى.
روى أحمد وابن أبي عاصم في السنة عن أبي حفص، قال: سمعت عبد اللَّه بن أبي أوفى وهم يقاتلون الخوارج، وكان غلام له قد لحق بالخوارج من الشق الآخر، فناديناه: يا فيروز! يا فيروز! هذا عبد اللَّه بن أبي أوفى فقال: نعم الرجل لو هاجر! قال عبد اللَّه: ما يقول عدو اللَّه؟ فقيل له: يقول: نعم الرجل لو هاجر! فقال: أهجره بعد هجرتى مع رسول اللَّه -ﷺ- وقد سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (طوبى لمن قتلهم وقتلوه) (٢).