١ - عن عمر بن الخطاب -﵁-، في حديث جبريل للنبى -ﷺ- عن الإِسلام والإيمان والإحسان قال له جبريل: (. . . فأخبرنى عن الساعة؟؟
فقال -ﷺ-: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرنى عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في
_________________
(١) من ديوان (الزوابع) للشاعر وليد الأعظمى.
[ ٧٧ ]
البنيان. . .) (١).
قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: (والمراد بقوله: أن تلد الأمة ربتها: أي سيدتها ومالكتها، قال العلماء: هو إخبار عن كثرة السرارى وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزله سيدها؛ لأن مال الإنسان سائر إلى ولده، وقد ينصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينه الحال أو عرف الاستعمال، وقيل: معناه، أن يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها، وسيد غيرها من رعيته) (٢).
وقال ابن حجر في الفتح عن معنى: (أن تلد الأمة ربها). وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في معنى ذلك، قال ابن التين اختلف فيه على سبعة أوجه وقد لخصتها بلا تداخل فإذا هي أربعة أقوال:
أ - قال الخطابي: معناه اتساع الإِسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها.
• قال النووي وغيره: إنه قول الأكثرين.
قلت: لكن في كونه المراد نظر؛ لأن استيلاء الإماء كان موجودًا حين المقالة والإستيلاء على بلاد الشرك وسبى ذراريهم واتخاذهم سرارى وقع أكثره في صدر الإِسلام، وسياق الكلام يقتضى الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة،.
قال العيني: (١/ ٢٨٩): (في نظره نظر!! لأن قوله (إذا ولدت الأمة ربها)، كناية عن كثرة التسرى من كثرة فتوح المسلمين واستيلائهم على بلاد
_________________
(١) رواه مسلم برقم: ٩، ١٠ ورواه البخاري من طريق آخر.
(٢) انظر شرح مسلم للنووي: ١/ ١٨٥.
[ ٧٨ ]
الشرك وهذا بلا شك لم يكن واقعًا وقت المقالة، والتسرى وإن كان موجودًا حين المقالة ولكنه لم يكن من استيلاء المسلمين على بلاد الشرك، والمراد: أن يكون من هذه الجهة) (١).
وقال الحافظ في الانتقاض: (١/ ١٠٢): (محصل نظر الأول: أن الخطابي إن كان أراد مطلق التسرى فلا يصح؛ لأنه كان موجودًا عند المقالة، وإن كان أراد بقيد من الإستيلاء فلا يصح؛ لأن الإستيلاء قد وجد في صدر الإِسلام، والسؤال إنما وقع عن العلامات التي إذا وجدت قامت الساعة، وإنما لم يجزم الشارح برده (يعني نفسه) الإحتمال أن يكون المراد بالعلامة: ما يتجدد بعد وقت المقالة سواء قرب عهد تجدده أم بعد فأقتصر على قوله: (ففيه نظر) واللَّه الموفق) (٢).
• ثم قال الحافظ في الفتح:
(وقد فسره وكيع. في رواية ابن ماجه بأخص من الأول. قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء يلدن الملوك فتصير الأم من جملة الرعية والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقربه بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا من وطأ الإماء ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ووجهه بعضهم. بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز، لأنه كان سببًا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذلك، وخصة بعضهم بأن السبى إذا كثر فقد يسبى الولد أولا وهو صغير ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسًا بل ملكًا ثم تسبى أمه فيما بعد فيشتريها عارفًا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها أو يتخذها موطوءة أو يعتقها
_________________
(١) هامش فتح الباري: ١/ ١٢٢.
(٢) هامش فتح الباري: ١/ ١٢٢.
[ ٧٩ ]
ويتزوجها).
ب- أن تبيع السادات أمهات أولادهم ويكثر ذلك فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها ولدها ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد أو الإستهانة بالأحكام الشرعية.
جـ - وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء أمه الولد بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن بأن تلد الأمة حرًا من غير سيدها بوطأ شبهة أو رقيقًا بنكاح أو زنًا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا وتدور في الأيدى حتى يشتريها ابنها أو ابنتها.
د- أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والإستخدام فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك أو المراد بالرب المربى فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون جمع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة ومحصلة: الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند إنعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيًا والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: (أن تفسير الحفاة ملوك الأرض) (١).
قال العيني: (١/ ٢٨٩): (هذا ليس بأوجه الأوجه بل أضعفها؛ لأن النبي -ﷺ- إنما عد هذا من أشراط الساعة، لكونه على نمط خارج على وجه الاستغراب أو على وجه دال على فساد أحوال الناس، والذي ذكره هذا القائل ليس من هذا القبيل فافهم.
_________________
(١) فتح الباري: ١/ ١٢٢ كتاب الإيمان.
[ ٨٠ ]
وأما رواية (بعلها) فالصحيح في معناها: أن البعل هو السيد أو المالك فيكون بمعنى ربها على ما سلف.
قال أهل اللغة: بعل الشيء: ربه ومالكه، قال تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أي ربًا، قاله ابن عباس والمفسرون.
وقيل المراد هنا الزوج، وعلى هذا أن الأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى (١).
معنى قوله -ﷺ-: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان (٢).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وإذا كان الحفاة العراة، زاد الاسماعيلى في روايته: الصم البكم. وقيل لهم ذلك: مبالغة في وصفهم بالجهل، أي: لم يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم وإن كانت حواسهم سليمة.
قوله: (رؤوس الناس) (٣): أي ملوك الأرض. . . والمراد بهم. أهل البادية.
قال: ما الحفاة العراة؟
قال: العريب.
ثم قال ابن حجر:
(قال القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولى أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد
_________________
(١) هامش فتح الباري: ١/ ١٢٢.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) هذا في رواية أخرى ساقها ابن حجر في الفتح.
[ ٨١ ]
البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان) (١) (٢).
١ - قال الحافظ في الفتح:
(ومعنى التطاول في البنيان: أن كل من كان يبنى بيتًا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد: المباهاة في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد) (٣).
٢ - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا تقوم الساعة حتى يبنى الناس بيوتًا يوشونها وشى المراحيل) (٤) والمراحيل: هي الثياب المخططة. إن هذا التصوير النبوى لما يحدث قبيل الساعة يشير لك أخي القاري إلى حقيقة النبوة وصدق صاحب الرسالة -ﷺ-، أنه يصف الحالة التي نعيشها نحن أبناء القرن العشرون الميلادى، وإذا تأملت في حياتنا تجد مصداق هذا القول النبوى الذي تشم منه رائحة النبوة وحقيقة الإعجاز، والتباهى بذلك، بل والتنافس فيه أصبح واقعًا نعيشه ونتحسسه.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلى:
(فإذا صار الحفاة العراة رعاء الشاة وهم أهل الجهل والجفاء رؤوس الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا) (٥).
_________________
(١) هذا في زمن ابن حجر، فكيف لو جاء إلى زماننا هذا ورأى ما حدث ويحدث من انقلاب الموازين وتغيير الحال واستيلاء أهل الباطل!!!
(٢) فتح الباري ابن حجر: ١/ ١٢٢ أو ما بعدها.
(٣) فتح الباري: ١٣/ ٨٨.
(٤) البخاري في الأدب المفرد صـ ٦٣.
(٥) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلى صـ ٣٩.
[ ٨٢ ]
٣ - وفي رواية مسلم عن أبي هريرة -﵁-: (ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس (١)، فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاة البهم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا اللَّه، ثم تلا -ﷺ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. . . إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢).