دقق بعض الناس في عصرنا حتى خرج عن التدقيق!.
ومن الأمثلة على هذا التدقيق الذي لم يحالفه التوفيق، ما رأيته من بعض الراغبين في الاتباع الذين يتحاشون-وأخشى أنهم يحرمون-كلمة: "﵀"؛ فيستخدمون مكانها: "يرحمه الله"، أو "عليه رحمة الله" دائما!.
لماذا؟. لأنهم يرون الأولى لا تجوز، والثانية تجوز!.
فعجبت، وقلت: هذا خطأ علينا-إن شاء الله-لا يجوز"١"!.
وكيف يمر علينا مثل هذا ونحن نحتكم إلى الكتاب والسنة، ملتمسين فقه نصوصهما الفقه السديد، بإذنه تعالى.
وبالتتبع للروايات الواردة-المرفوعة والموقوفة-يتبين أن كلا من الكلمتين جائز؛ لأن كلا منهما وارد، وكلا منهما معناه الدعاء، ولا فرق.
فإن قال قائل: "﵀" خبر، أما: "يرحمه الله" فإنشاء.
قلت معاني اللغة تأبى عليك أن تفسرها كما تشاء. والصحيح أن كلا من العبارتين تأتي خبرا، كما أنها تأتي إنشاء؛ وذلك بحسب نية المتكلم، وبحسب القرائن في الكلام.
ويقطع هذا النزاع ورود اللفظتين عن الرسول ﷺ، وليس لأحد بعده مجال للزيادة أو النقص.
_________________
(١) "١" "يجوز" هنا، ليس بمعنى "يجوز" التي قبلها، وإنما معناها: يمر.
[ ١٣١ ]
ومما ورد من ذلك عنه ﷺ، قوله في الحديث عند البخاري عن عائشة ﵂: "سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: " ﵀ لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا" "١".
كما ثبت كل من اللفظتين عن عدد من الأصحاب ﵃.
ثم لماذا لا يعترض المعترض أيضا على صيغة الدعاء بقولنا: ﵃؟. وما المقياس الذي يجعله يختار الإنكار في تلك، ويتجاهله في هذه؟!.
*قلت لطلابي مرة في شأن حرية الرأي ومنهجها: أما مسائل الاجتهاد فإن باب الاجتهاد والنظر فيها مفتوح، وليقل فيها الإنسان رأيه، فلا حجر ولا حجر، والحمد لله رب العالمين!!.
على أننا رأينا في الناس من أعد أحجارا، وليس حجرا، لكل مخالف له، ويرى أنه لا ينصر رأيه ومذهبه أو منهجه-الذي ربما لم يحالفه الصواب فيه-إلا بالقوارع مما تطوله يداه ولسانه، ويتقرب إلى الله بهذا المسلك.
_________________
(١) "١" البخاري، ٢٦٥٥، الشهادات.
[ ١٣٢ ]