العلم شرف ومسؤولية، والعلم زينة قد يتزين بها الخالي منها أو العاطل عنها، وحسبك بالعلم شرفا أن يدعيه من ليس من أهله، وأن يتبرأ من الجهل من هو من أهله، كما قيل!.
لكن شرف العلم لا يثبت في الحقيقة إلا لمن كان من أهله: علما وعملا، معرفة وسلوكا، علما وخلقا!.
أما العلم بدون ذلك، فهو لا يعدو أن يكون حجج الله على الهالك! نعم! إنه حجج الله يجمعها الإنسان على نفسه؛ ثم هو في الوقت نفسه-في هذه الحال-إنما هو إدانة الإنسان لنفسه بنفسه؛ وذلك حين يقول الإنسان في شأن أمر ما: هذه وجهته، ولكنه يعود فينتكس عمليا؛ فيسلك طريقا غير الذي قال للناس إنه هو الصواب!.
إنه، في هذه الحال، من عقوبة الله له أنه يفضح نفسه بنفسه! ثم هو لا شرف له، ولا فضل له في هذا العلم الذي لم يزك به نفسه، بل شانها بمخالفة ما أنعم الله عليه بتعليمه وجه الحق والصواب فيه!.
[ ٤٧ ]
لو كان للعلم من غير التقى شرف لكان أشرف خلق الله إبليس!
أعلمت هذا يا من شغله الدرس والتدريس!.
قلت: العلم يتخذه بعض الناس للتزكية، لكن بعض الناس يتخذه للتذكية، فبعض الناس يزكون به أنفسهم، وبعض الناس يذكون به أنفسهم.
وليس بين التزكية والذكية في الكتابة سوى إبدال حرف بحرف!.
كما أنه ليس بين التزكية والتذكية في التطبيق والسلوك سوى إبدال حرف بحرف؛ وذلك بأن ينحرف الإنسان من وجهة إلى وجهة!.
وهكذا حرف بحرف، وإلى الله القبول أو الصرف!.
إن شرف العلم لا يناله من لم يقدر مسؤولية العلم؛ كما أن من قدر مسؤولية العلم من العلماء نال شرفه.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا!.
*ذكرت مرة لبعضهم ما كان لي من مواصلة ساعات طويلة مع الحديث وكتبه، وأنني كنت مسرورا بذلك التعب؛ فقال لي: نعم، والله من يكون مع كتب الحديث يكون في غاية الأنس. فقلت له: وقد يفر من الإنس!.
[ ٤٨ ]