عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله؛ فإن أمسك عليك، فأدركته حيا، فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه، فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره، وقد قتل، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل" "٢".
_________________
(١) "١" هذا الموضوع منقول عن مذكرة أعددتها لطلاب المستوى الثامن بكلية الدعوة، في مادة: "نصوص من السنة". "٢" مسلم، ١٩٢٩، الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، بهذا اللفظ، وقد تفرد مسلم بلفظة: "فإن أدركته حيا فاذبحه"، وهو بدون هذه اللفظة متفق عليه، وهو عند البخاري برقم: ٥٤٧٥، ورواه غيرهما من أصحاب السنن والمسانيد.
[ ٩٧ ]
- في هذا الحديث دلالة على مدى عناية الإسلام بحفظ الحقوق، وحرصه على منع الظلم أيا كان، وممن كان، وعلى من كان؛ فها هو الرسول ﷺ يمنع من الأكل مما صاده الكلب إذا أكل الكلب منه؛ لأن ذلك فيه احتمال على أن الكلب إنما صاد لنفسه، لا لصاحبه؛ فقال ﷺ: " فإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله"، وقوله ﷺ في صيد الكلاب: "فكل مما أمسكن عليك، وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك الكلب على نفسه" "١"؛ أي وحق الغير لا يحل الاعتداء عليه، حتى ولو كان كلبا؛ وهذا حفظ للحقوق ومنع للظلم، بل حفظ لحقوق الكلاب من بني آدم، ومنع من ظلم الإنسان الكلاب!.
وفي قوله ﷺ: "وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله"، حفظ للحقوق بين الكلاب كذلك، ومنع من ظلم الإنسان للكلاب!.
ولك أن تقارن هذه الصورة السامية من صور التعامل في هذا الدين، حتى مع الكلاب، بما عليه بعض المسلمين اليوم-للأسف-في تعاملهم، ليس مع الحيوانات، وإنما مع إخوانهم المسلمين؛ حيث يتحول أحدهم في تعامله مع إخوانه كحال كلاب الصيد مع الصيد، وينسون هذا الحكم الشرعي، وهذا السمو الإيماني!.
ومما يؤسف حقا أن يكونوا على هذا الخلق باسم الدين، والدين براء منه
_________________
(١) "١" البخاري، ٥٥٤٨٣، الفتح: ٩/٦٠٩.
[ ٩٨ ]
بنصوصه الصحيحة الصريحة كل الصراحة، وكذلك بمقاصده وقواعده العامة.
ولا أدري متى سيرعوي هؤلاء عن أعراض المسلمين، ويتقون الله في تعاملهم معهم، ويعودون إلى هدي الدين، وليس إلى أحقاد نفوسهم وسييء أخلاقهم؛ فيتذكروا الله وشرعه والدار الآخرة!.
وما عهد التاريخ هذه الصفة في المسلمين المخلصين، وما عهدها في أهل السنة والجماعة-على مر التاريخ، حتى جاء هذا العصر-وللإمام ابن تيمية-رحمه الله تعالى- رسالة في "رحمة الإسلام بأهل البدع والمعاصي""١"؛ فليست هذه الصفة التي ينتهجها بعض المسلمين اليوم، للأسف، مشروعة، بنصوص الكتاب والسنة، ومنهج أهل السنة والجماعة، ولا تعرف هذه الصفة إلا في الخوارج الذين بدأ إمامهم هذه الطريقة بالتهجم على رسول الله ﷺ في زمنه حين قال للرسول: اعدل!!. وهذا الأمر، وهذا المسلك ليس دليلا على الإخلاص، ولا على الاتباع، لا في زمن النبي ﷺ، ولا في عصرنا، بل هو دليل على العكس، ولهذا ترى من يسلك هذا المسلك يتخذ من بعض المظاهر ما يظنه دليلا على الإخلاص، أو دليلا على الاتباع، من تقصير ثوبه، أو من الكلام على السنة- بعد أن صوب إلى الإسلام والمسلمين الأسنة!! -وما علم المسكين أن الإخلاص والاتباع إنما هو في أن يسكت لله، وأن يتكلم إذا تكلم لله وفق شرعه، وأن يتهم نفسه، ويحسن الظن بالناس، وأن لا يتخذ من زرع الفتن والبغضاء والشقاق بين المسلمين تجارة، ومن السنة في الظاهر دثارا، يضحك به على نفسه وعلى الناس! وأن عليه أن يتجنب التفريق بين الناس وولاة الأمر، وبين ولاة الأمر
_________________
(١) "١" وقد طبعت في مجموع الفتاوى، وطبعت مفردة.
[ ٩٩ ]
والدعاة والعلماء، وأن يكون مخلصا ناصحا للجميع.
نسأل الله تعالى استقامة الظاهر والباطن على وجه الاعتدال، وحسن الاتباع، وسلامة الصدور من الغل والحقد والحسد على إخواننا الذين آمنوا، إنه هو السميع العليم.
ولم أر من نبه على هذا الاستنباط الواضح المهم من الحديث، ولم تذكر حتى عند الإمام ابن حجر-رحمه الله تعالى-على الرغم من شدة تقصيه البحث في الحديث؛ فلله الحمد على ما علم وألهم.
- وبهذا ينبغي أن يتذكر المتفقه في الحديث وفي النصوص الشرعية، وهو يستنبط منها الأحكام والفوائد، أن يقرأ ألفاظها ومعانيها معا، ولا يأخذها أخذا ظاهريا، وأن يربطها بمقاصدها المباشرة وغير المباشرة، ولا يفصلها عنها، ولولا هذا المسلك لما تنبهنا إلى هذا المعنى في الحديث.
*ضبطت مرة طالبا غش في الامتحان؛ فقلت له: أمن أجل الدرجة تنزل إلى هذه الدرجة؟!.
[ ١٠٠ ]