إذا أردت الصلاة بعد وضوئك، وأردت الخشوع فيها، فإن عليك أن تراعي الأمور التالية:
_________________
(١) هذا اللفظ ابن خزيمة، وأخرجه مسلم كتاب الطهارة / ٣٩.
(٢) هذا اللفظ ابن خزيمة، وأخرجه مسلم كتاب الطهارة / ٤٠.
(٣) رواه مسلم كتاب الطهارة باب الذكر المستحب عقب الوضوء.
(٤) هذه الزيادة رواها الترمذي في كتاب الطهارة باب ما يقال عند الوضوء وهي صحيحه.
[ ١٠ ]
أولًا: الاستعداد بالسواك:
إن من السنن المؤكدة تطييب رائحة الفم وتنظيف الأسنان بالسواك عند الوضوء وقبل الصلاة، وذلك لما ثبت عن رسول الله –ﷺ- أنه قال: " لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء " (١) وفي رواية: "عند كل صلاة ".
وذلك يكسبك نشاطًا، ويعلمك التهيؤ للوقوف بين يدي الله - ﷾-: كما أن السواك أفضل طارد للنوم إذا كانت الصلاة بعد نوم، مما يساعد على التنبه لما تقرئين.
ثانيًا: الاستعداد باللباس الحسن النظيف والتطيب والبعد عن الريح الكريهة:
إنك أخيتي لو فكرت في قدومك إلى الصلاة لوجدت نفسك لا تستعدين لها استعدادك للقاء أي صاحبة لك أو ضيفة تزورك، فلو كنت قبل الصلاة استحضرت أنك ستقدمين على ملك الملوك رب العباد الذي أمرك بأخذ الزينة عند كل مسجد حيث قال: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١] .
والمسجد لفظ عام لكل مكان يسجد فيه المصلي من ذكر أو أنثى. لو كنتِ استحضرتِ هذا لبذلتِ الجهد في الاستعداد للصلاة بالحسن من الطيب والثياب (٢) .
واعلمي أن استحضار هذا يأتي بالخشوع، فالحسنة تجر الحسنة، كما أن اللبس النظيف والريح الطيب يجعل صاحبه في راحة نفسية بخلاف اللباس الوسخ المليء بالعرق والرائحة الكريهة؛ فإنه يجعل صاحبه في نفسية متضايقة، ولا يستوي من يصلي مرتاح النفس ومن يصلي وهو متضايق.
_________________
(١) متفق عليه، وخرجه الألباني في إرواء الغليل رقم ٧٠.
(٢) وذلك إذا كانت الصلاة في البيت أما إذا كانت في المسجد فيجب أن تتجنبي الطيب وإنما طيبك الماء، لما في التطيب من فتنة للرجال ولوروده النهي عنه حال الخروج.
[ ١١ ]
وكما أن اللباس يحسن أن يكون نظيفًا فإنه يحسن أن يكون مريحًا؛ لأن اللباس إذا لم يكن مريحًا – كأن يكون ضيقًا –فلن تستطيعي أخذ راحتكِ عند الركود والسجود والجلسة بين السجدتين عند الجلوس للتشهد، فإذا جلستِ وأنت غير مرتاحة فستعجلين في الصلاة، ولن تجلسي للتشهد لتقوليه بتمامه كما ينبغي، وإن قلتيه تامًا لفظًا فلن تستشعري معانيه، ولن تتمكني من الدعاء بعده بقلب خاشع خاضع، والضيق لا يتأتى معه الخشوع؛ لذلك نُهيَ عن الصلاة والمصلي يدافع الخبث أو الجوع أو غيره، وسيأتي ذكر مدافعة الخبث
وإني ألحظ من بعض الأخوات أنها إذا كانت تهم بالذهاب لزواج أو حفلة ما، استعدت بلبس أجمل الملابس محتملة ما يكلفها هذا الملبس الضيق، وهي لا تحتمل أن تلبس عليه حجاب صلاتها، ولكنها مضطرة للصلاة في وقتها فتجدينها تتعجل بالصلاة محتملة هذه الدقائق التي تصلي فيها، وكأنما قد قيدت بقيود تستعجل الخلاص منها بالسلام.
وكذلك إذا وضعت مساحيق على وجهها فهي تسارع إلى الصلاة خشية أن ينتقض وضوؤها فتعجل بالصلاة كأنها حمل ثقيل لترتاح منه، أما إذا كانت ممن تضع في شعرها ما يسمى " باللفافات" فحدث ولا حرج عن ضيقها حين تضع حجاب صلاتها على رأسها، أو حين تسجد، أو حين تركع، وهذا إذا استطاعت أن تمكن جبينها من الأرض.
فلنتقي الله يا أخواتي من أن نقف بين يديه أن يأخذنا بغتة فلا نستطيع بعد الصلاة صلاة.
وإذا أدركتك الصلاة وأنتِ على هذه الحال السالفة، فلا تتكاسلي عن خلع ما يضايقكِ واستبداله بما يريحك واحتسبي الأجر من الله – ولا يزين لك الشيطان وأنت على هذه الحالة فتقولين أتحمل خمس دقائق وأصلي، ثم تصلين صلاة كصلاة الخائف.
واعلمي أنك لو أرغمت نفسكِ على نبذ ما لا يريحكِ عند الصلاة - مهما كلفكِ - ولو مرة واحدة لسهل عليكِ الأمر، وعرفتِ كيف أن الصلاة تحتاج منكِ إلى استعداد.
ثالثًا: الاستعداد بإحكام ستر العورة:
[ ١٢ ]
إن من شروط صحة صلاتك أختي، ستر عورتك في الصلاة، وهي جميع جسدك عدا الوجهوالكفين إذا لم يكن بحضرة رجال أجانب.
وقد تقولين ما علاقة ذلك بالخشوع؟
والجواب هو: أن ستر العورة سترًا تامًا بإحكام يهيئ لك وضع كل عضو في مكانه أثناء الصلاة، لأنك إذا لم تحكمي ستر العورة فإنه قد يسقط خمارك أو يوشك فتنشغلين بإصلاحه الحين والحين، وقد يفوت عليك ذلك بعض السنن في الصلاة كرفع اليدين عند التكبير أو الرفع من الركوع أو وضع اليدين على الفخذين عند التشهد أوغير ذلك، وأنتِ مع هذا قد تذهبين بعض الطمأنينة التي لا تصح الصلاة إلا بها، وهي مطلوبة في جميع الأركان.
أو قد تتعجلين إنهاء الصلاة خشية أن تنكشف عورتك بظهور بعض شعركِ، فتسلمين قبل أن تدعي، وأي خشوع سيكون وأي حضور قلب وأنت لاهية في شيء آخر.
رابعًا: الاستعداد بإبعاد كل ما يشغلك سواء كان أمامك أو تلبسينه أو تسجدين عليه:
وذلك بأن تختاري مكانًا هادئًا قليل الأثاث والزخارف، فلا تصلي أمام جدار مزخرف بالديكور والألوان.
كذا البقعة التي تصلين عليها ينبغي لك إذا أردت الخشوع أن تصلي على بقعة خالية من الزخارف والألوان، فما أحدثه الناس اليوم من الصلاة على سجاجيد ملونة يرسم عليها الكعبة أو غيرها من الصور أمر مخالف للسنة. فالسنة عدم الصلاة على ما به ألوان وأعلام ونقوش كما ورد في الحديث: أن النبي -ﷺ- صلّى في خميصة لها أعلام فنظر في أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: " اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيته، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي " (١) .
_________________
(١) متفق عليه وهو مخرج في الإرواء (٣٧٦) . والخميصة هي ثوب خز أو صوف مُعْلَم من لباس الناس قديمًا وجمعها الخمائص. النهاية ٢/٨١. والانبجانية، كساء أنبجاني منسوب إلى منبج المدينة المعروفة وهي كساء يتخذ من الصوف وله خمل ولا علم له. النهاية ١/٨٣.
[ ١٣ ]
أما إذا كنتِ تعلمين بنجاسة الأرض التي تصلين عليها فعليكِ أن تضعي عليها شيئًا تصلين عليه سواء كان سجادة أو غيرها، فإنه قد ثبت أن رسول الله –ﷺ- صلى على خُمرة (١) .
ولكن لم يكن رسول الله –ﷺ- يدوام الصلاة عليه، بل ثبت عنه أنه قال: ما أدركتكِ الصلاة فصلِّ فهو مسجد (٢)، وثبت عنه أيضًا إباحة الصلاة في مرابض الغنم وفي المقبرة إذا نبشت.
وروى عنه أنس بن مالك أنه قال: لما قدم رسول الله –ﷺ- فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، فيصلي في مرابض الغنم، ثم أمر بالمسجد قال: " فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاؤوا، فقال: " يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله ما نطلب ثمنه إلا من الله "، قال أنس: فيه قبور المشركين وكان فيه خرب، وكان فيه نخل، وقال: فأمر رسول الله –ﷺ- " بقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع "، قال: " فصفوا النخل قبلة المسجد واجعلوا عضادّيته حجارة ' (٣) .
وأحاديث إباحة الصلاة في أي بقعة من الأرض عامة، يخص منها – أي من عمومها – أحاديث النهي عن الصلاة في المقابر والحمام، ومعاطن الإبل وخلف المقبرة (٤) .
وعليكِ أخيتي أن تنتبهي لهذا الأمر وتتبعي سنة محمد –ﷺ- وتنتهي عما نهاك عنه ففي ذلك خير الدنيا والآخرة.
_________________
(١) رواه مسلم كتاب المساجد، ٢٧، وابن خزيمة باب الصلاة على الخمرة ٢/١٠٤، والخمرة هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خوص ونحوه من النبات، النهاية ٢/٧٧.
(٢) رواه مسلم ٢٧، وابن خزيمة باب ذكر أخبار رويت عن رسول الله –ﷺ- في إباحة الصلاة على الأرض كلها بلفظ عام مراده خاص.
(٣) رواه مسلم كتاب المساجد٩، وابن خزيمة انظر: ٢/٥.
(٤) انظري ابن خزيمة ٢/٧٢٦.
[ ١٤ ]
وإذا كنتِ بمجلس من المجالس وفرشت لك سجادة لتصلي عليها – وفيها نقوش- فلا يمنعك الحياء من رفعها والصلاة على الأرض ما دامت طاهرة، وبذلك تكونين قد أحييت سنة وأمتِ بدعة.
خامسًا: الاستعداد باختيار مكان معتدل الحرارة وتجنب الصلاة في المكان الحار:
إنك أخيتي إذا أردت النوم أو الأكل أو استقبال الضيوف فإنك تبحثين عن المكان المعتدل الحرارة، وتبذلين الجهد لتبريده في الحر، ولتدفئته في البرد، لتؤمني لنفسك الاستمتاع بالأكل والنوم وغيره.
إلا أنك إذا أردت أداء الصلاة فإنك أحيانًا لا تبالين بأن تصلي في أي مكان، ولسان حالك يقول: خمس دقائق أتحمل فيها الحر، ولا تستحق إعمال المكيف أو البحث عن مكان بارد أصلي فيه.
وأنت بذلك قد تتحملين ولكن على حساب خشوعك! فأي استيعاب للركوع أو السجود؟ بل أي استيعاب للقراءة سيكون؟ وكأن الصلاة حركات فرض عليك عملها، تؤدينها لتخليص ضميرك، فأنت تؤدين الصلاة لترتاحي منها، لا لترتاحي بها.
واعلمي _أخيتي _أننا في هذا الزمان زمان البيوت التي تحتفظ بالحرارة – وزمان المكيفات – وزمان التحمل وعدم الاعتياد على الحر يذهب خشوعنا أكثر ممن سبقنا من الذين لم يعتادوا على المكيفات، والذين يتحملون الصيام في الصيف مع شدة الحرارة، ومع ذلك فإن رسول الله –ﷺ- قد نهاهم عن الصلاة في شدة الحرارة؟ لعلمه بذهاب الخشوع وقلة استحضار القلب في هذه الحال، وذلك بقوله: " أبردوا بالظهر " (١) .
وحكمة هذه الرخصة - كما قال الإمام ابن القيم: (أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور، ويفعل العبادة بتكره وتضجر، فمن حكمة الشارع –ﷺ- أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر، فيصلي العبد بقلب حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله – تعالى-) (٢) .
سادسًا: الاستعداد للصلاة في المكان البعيد عن الإزعاج والضوضاء:
_________________
(١) صحيح الجامع.
(٢) الوابل الصيب ص ١٦.
[ ١٥ ]
إن المصلي إذا كان بحضرة أناس يتكلمون، قد لا يحضر قلبه ولا يعقل صلاته، فيكون مشغول القلب مشغول العقل، وقد يسمع كلامًا يخصه فيصغي له، وهنا لا يعقل كم صلى ولا ما قرأ ولا بماذا دعا، وإذا عقل ذلك فإنه بالتأكيد محال أن يكون خشع في صلاته تلك.
فاختاري أختاه لنفسك مكانًا هادئًا! بعيدًا عن الإزعاج ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
ولأجل الخشوع في الصلاة نهى رسول الله –ﷺ- عن التشويش على المصلي فقال: " إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن " (١) .
فهذا رسول الله –ﷺ- ينهى عن الجهر بالقراءة لأجل عدم التشويش على المصلي وحفظ الخشوع له.
فإذا أردتِ أختاه الصلاة بحضور قلب وخشوع؛ فالتمسي أقصى مكان في بيتك وأبعده عن الضجة وحضور الناس ورؤياهم وذلك أفضل فإن أم حميد – ﵂ روت أنها جاءت النبي –ﷺ- فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك؟ قال: " قد علمت أنكِ تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي ".
_________________
(١) قال الألباني: رواه مالك والبخاري في خلق أفعال العباد وسنده صحيح، صفة الصلاة ٨١٥.
[ ١٦ ]
فأمرت – أم حميد – فبني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمه "وكانت تصلى فيه حتى لقيت الله – ﷿ –" (١) .
سابعًا: الاستعداد للصلاة بتفريغ قلبك من كل شغل:
اعلمي أخيتي أن القلب يشتغل بأمور كثيرة ما بين هم وخوف وحزن وفرح وغيره، فإذا أردت الإقبال على الصلاة فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، استعاذة قلب لا استعاذة لسان، فإن وجدت من نفسك إقبالًا على الصلاة بقلب غافل مشغول فاقرئي آيات من القرآن لم يسبق لك حفظها، وألزمي نفسك أن تقرئيها في الصلاة، حتى وإن كانت هذه الآيات قصيرة كأن تكون آيتين أو ثلاث وذلك فيه إشغال لك عن همك بالحفظ قبل الصلاة، وإشغال لك عن همك بتذكر الآيات في الصلاة، وحينئذ تجدين نفسك قد أقبلت على الصلاة وانشغلت بها.
وإن لم تستطيعي ذلك لعسر حفظك أو لشدة غفلتك أو لشدة شغلك بهمك فعليك قراءة حديث من أحاديث الترغيب والترهيب -كأحاديث البعث أو الحساب أو النفخ في الصور أو غيرها – تجعلك تخافين الله وتشتغلين بما هو أعظم فتقبلين على الصلاة بقلب خاشع.
_________________
(١) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وبوب عليه ابن خزيمة اختيار صلاة المرأة في حجرتها على صلاتها في دارها وصلاتها في مسجد قومها على صلاتها في مسجد النبي –ﷺ- وإن كانت صلاة في مسجد النبي –ﷺ- تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد. والدليل على أن قول النبي –ﷺ- صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، " إنما أراد به صلاة الرجل دون صلاة النساء". وعلق عليه الشيخ الألباني، ورد بأن الفضل عام إلا أن المرأة في بيتها أفضل. انظري صحيح الترغيب١/١٣٥ وصحيح ابن خزيمة ٣/٩٤. وعلى أي حال فصلاة المرأة في بيتها أفضل، فما بال النساء وأخص القارئات أصبحن يكثرن من الذهاب إلى المساجد في صلاة التراويح بل وللأسف يتنقلن فيها وينتقين الأئمة الأحسن أصواتًا.
[ ١٧ ]
وإن لم تنتفعي بذلك فاقرئي من سيرة الصالحين في صلاتهم مما يشحذ همتك ويدفعك للاقتداء بهم، - وأبشري فإنك إذا فعلت ذلك راغبة في الخشوع لله والخضوع له ومدافعة الشيطان، فإن الله سبحانه سيعطيك مرادك وسيقترب منك أكثر مما تقتربين منه. كما ورد في الحديث القدسي عن رسول الله –ﷺ- فيما يرويه عن ربه قال: " يقول الله - تعالى -: " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " (١) .
وسيؤتيكِ الله أكثر مما رجوتِ وأعظم وأفضل مما ابتغيت.
ثامنًا: الاستعداد للصلاة بانتظارها:
إن انتظار الصلاة كما يكون في المساجد يكون لك -أخيتي- في بيتك، فإذا فرغت من عملك ولم يكن عليك واجب لزوجك أو أهلك يشغلك فعليك إذا قارب وقت الصلاة أن تتوضئي وتجلسي في مصلاك تنتظرين الصلاة، تسبحين وتستغفرين وتهللين وتذكرين الله وتستاكين حتى يؤذن المؤذن، فإذا أذن وقلت ما يقول تسألين الله لنبيه الوسيلة ثم ما شاء الله لك من الدعاء، وأنت بهذا تفوزين بخير كثير، دعاء الملائكة لك بالمغفرة والرحمة، ويكتب لك أجر الصلاة ما دام هذا حالك حتى تنصرفي أو تحدثي.
وهذا الفعل مدعاة للخشوع، حيث يأنس القلب بذكر الله ويستنير بنوره، وفعل ذلك أجره عظيم بل هو كالرباط في سبيل الله.
_________________
(١) رواه أحمد والبيهقي والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وانظري سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ١٠١.
[ ١٨ ]
وإذا كنتِ قد فعلت فاحرصي أن تحفظي في انتظارك للصلاة آيات من القرآن الكريم تكون لك عونًا على الخشوع في الصلاة التي ستؤدينها، واعلمي أنك إذا قدمت على الصلاة فإن قلبك يكون معلقًا بآخر شيء تركتيه أو كنت عليه قبل الصلاة، فإذا كان آخر شيء كنت عليه قبل الصلاة ذكر الله والتعلق به فسيكون قلبك معلقًا في الصلاة بالله،. وكيف لا يخشع قلب معلق بالله وهو يقف بين يديه.
وأما إذا نهتكِ نفسكِ وأبت أن تجلس للصلاة، ولم يكن لديك عمل يشغلك فأرغميها على الانتظار وجاهديها حتى تقبل راغمة، فإن أقبلت اليوم راغمة فستقبل غدًا راغبة والله يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: ٦٩] .
واستعيني على مجاهدة النفس بتذكيرها بفضل انتظار الصلاة الذي جاء في الحديث:" لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، والملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث " قيل: ما يحدث؟ قال: " يفسو أو يضرط " (١) .
"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ قالوا: بلى يا رسول الله –ﷺ- قال: إسباغ الوضوء على المكروهات، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط " (٢) .
تاسعًا: الاستعداد للصلاة بالنظر في حاجة جسمك الشاغلة لك وبقضائها قبل الشروع في الصلاة:
إن الجسد له متطلبات، فالجوع يتطلب الأكل، والعطش يتطلب الشرب، والحقن والحقب يتطلب التخلي وإزالة الأذى، وليس شيء أشد إزعاجا للمصلي من مدافعة ذلك، فإذا وقع به شغله فإما أن يقطع صلاته أو يتمها بعجلة وألم، فيكون آذى نفسه ولم يُتقِن صلاته.
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داود وهو مخرج في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٧٩.
(٢) رواه ابن حبان في صحيحه، قال الألباني صحيح، وهو مخرج في صحيح الترغيب والترهيب ١/١٨١.
[ ١٩ ]
ولهذا عدّ رسول الله -ﷺ- من صلى وهذا حاله لم يصلِ حيث قال: " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين " (١) .
وأحذري أخيتي الشيطان فإنه يزين لك الصلاة بهذه الحال ليفوت عليك الخشوع، وذلك بأن يخوفك فوات الوقت تارة، ويخوفك إعادة الوضوء تارة أخرى. وأنتِ بين هذا وذاك تستسلمين للشيطان، وتكبرين وأنت تقولين ليست حاجتي ماسة، فإذا كبرت وألحت عليك حاجتك فلن تستطيعي دفعًا ولا صبرًا بل ستعجلين في صلاتك مفوتة الاطمئنان وهو من الأركان، والخشوع وهو لب الصلاة والمقصود منها، ولو أنك إذا رأيت من نفسك هذه العجلة في الصلاة وعدم الاطمئنان ألزمت نفسك إعادة الصلاة لتعلمت أن الصلاة التي يكون هذا شأنها ستعاد فتتركين الصلاة مع الحاجة، وتصلين بعد قضاء حاجتك بخشوع واطمئنان.
وسأنصحك بما يفيدك في التغلب على نفسك حين كسلها عن إعادة الوضوء والمبادرة للصلاة قبل انتقاض الوضوء.
أولًا: تذكري أنك إذا صليت بهذا الحال فكأنما لم تصل وأنك ستعيدين الصلاة، وذلك لما ورد في الحديث المتقدم "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الأخبثين".
ثانيًا: عودي نفسك الوضوء بعد كل حدث. وفائدة ذلك إصابة السنة أولًا وقطع التحسر على وضوئك ثانيًا، فإنك إذا علمت أنك متوضئة بعد الحدث لا محالة سواء أردت الصلاة أم لا فإنك لن تهتمي بنقض الوضوء ولن تتحسر نفسك على وضوئك. وبذلك يزول من نفسك دافع اغتنام فرصة كونك على وضوء.
ثالثًا: باستحضار الأحاديث المرغبة في الوضوء وكثرته وإسباغه.
وأرجو أن تسألي الله بعد هذا كله بأن يمنَّ عليكِ بالخشوع بين يديه، فهي منَّة عظيمة من نالها نال السعادة والراحة والهناء.
فإذا خرج العبد من صلاته التي قد خشع فيها فكأنما خرج من نهر قد اغتسل فيه من جميع أدرانه.
والله المستعان.
_________________
(١) رواه مسلم وأحمد وغيرهما وأخرجه الألباني في الإرواء رقم ٥٥٠.
[ ٢٠ ]