ومن تمام خشوع العبد لله ﷿ وتواضعه له في ركوعه وسجوده: أنه إذا ذلّ لربه بالركوع والسجود وصف ربه حينئذٍ بصفات العز والكبرياء والعظمة والعلو، فكأنه يقول: الذل والتواضع وصفي، والعلو والعظمة والكبرياء وصفك (١) .
قال الحسن ﵀: "إذا قمت إلى الصلاة قانتًا؛ فقمْ كما أمرك الله، وإيَّاك والسهو والالتفات. إيَّاك أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره، وتسأل الله الجنة وتعوذ به من النار، وقلبك ساهٍ لا تدري ما تقول بلسانك" (٢)
ثم إذا هممتِ بالركوع بعد انتهاء القراءة ترفعين يديكِ حذو منكبيك أو حيال أذنيك، وتكبرين استسلامًا لله سبحانه حيث أمرك بالركوع واستجابة له، وفي ذلك تتفكرين كيف أن الله تعالى أمرك بالوقوف بين يديه فقدمت خاضعة مستسلمة، وأمرك بالركوع والانحناء لعظمته فركعت خاضعة مستسلمة، وتتفكرين في التكبير حيث الله أكبر من كل شيء، أكبر منك حيث أخضعك لجلاله، وأكبر من أي عظيم أو كبير فالكل لابد أن يخضع له اعترافًا بربوبيته وألوهيته، ثم لا تملكين بعد هذا التكبير إلا أن تقولي سبحان ربي العظيم، وإذا قلتِ هذه الكلمة فتخيلي الملك الموكل بأعمالك يحسب كم تعظمين الله، فإذا عظمتِ الله ثلاث مرات واستشعرتِ أحدًا يكتب ويحسب عن يمينك فلن ترفعي بل ستزداد نفسك حرصًا أن تفتخر عند الملك بأنها تعظم الله كثيرًا، فإذا بكِ تعظمين الرابعة فإذا أردت الرفع جذبتك نفسك إلى الخامسة حتى يكتب الملك لك ذلك وهلمَّ جرًّا ما شاء الله وما أعظمه من ركوع تكونين فيه على هذه الحال، وتذكري نعم الله عليك فسبحيه عليها واحمديه ثم اسأليه المغفرة فأعمالك لا تواجه نعماءه، مع ما عندك من الذنوب، وذلك بقول ما ورد عن النبي -ﷺ-: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي".
_________________
(١) الخشوع في الصلاة ص ٢٦- ٢٨
(٢) الخشوع في الصلاة ص ٢٩
[ ٣٢ ]
واجتهدي وأنت في الركوع بتعظيم الله بجميع أنواع التعظيم لقوله –ﷺ-: " فأما الركوع فعظموا فيه الرب " (١) .
ومن أنواع التعظيم الذي كان يعظم به رسول الله –ﷺ- في الركوع ما يلي – أورده لتحفظيه ويسهل عليك استرجاعه:
١- "سبوح قدوس رب الملائكة والروح" (٢) .
٢- "اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، [أنت ربي] خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي " وفي رواية أخرى:" عظامي وعصبي ". [وما استقلت به قدمي لله ربِّ العالمين] " (٣) .
٣- " اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خضع سمعي وبصري ودمي وعظمي وعصبي لله ربِّ العالمين " (٤) .
٤- "سبحانك ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " (٥) .
واحذري – أخيتي – أن تقرئي شيئًا من القرآن في ركوعك وسجودك وذلك لنهيه –ﷺ- حيث "كان ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود" (٦) .
_________________
(١) رواه مسلم وأبو عوانة.
(٢) رواه مسلم وأبو عوانة.
(٣) رواه مسلم وأبو عوانة والطحاوي والدارقطني.
(٤) رواه النسائي بسند صحيح، قاله الألباني – ﵀ – صفة الصلاة ص ١٤٤.
(٥) رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح، قاله الألباني – ﵀ – صفة الصلاة ص ١٤٤.
(٦) رواه مسلم وأبو عوانة.
[ ٣٣ ]
وإذا سبحتِ الله ونزهتِه بما هو أهله فارفعي رأسك وأنتِ وجلة من تقصيرك في التعظيم وتخشين عدم القبول، فإذا قلت: " سمع الله لمن حمده" ورفعت يديك حذو منكبيكِ اطمأن قلبك بأن الله يسمع حمدك ولن تبخسي شيئًا فتحمدين الله على ذلك قائلة: " ربنا ولك الحمد "، حمدًا على حمدكِ إياه وحمدًا على سماعه لك. لذا فلا يليق بالله على هذه النعمة إلا حمد عظيم ليس بعده حمد، فتقولين " ملء السموات وملء الأرض وملء كل ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد ". حمدٌ عظيمٌ حَمَدَ به خير المرسلين فلا يفوتكِ أن تتذكري،وأنت تحمدين الله به أنه لا يقابل آلاءه ولا يوازي نعمه وذلك حق الله وهو أهله فتقولين: " أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد مند الجد " وهذا المقام مقام الربوبية مقام مستحق العبودية مقام الله الذي لا إله معه ولا ندَّ له.
وذلك وارد عن رسول الله -ﷺ- قال -ﷺ-: ' اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، [اللهم] لا مانع لما أعطيت [ولا معطي لما منعت] ولا ينفع ذا الجد منك الجد " (١) .
وتذكري أن الملائكة يصطفون لسماع حمدك ويبتدرونه أيهم يكتبه، فقد قال رجل من الصحابة كان يصلي خلف رسول الله -ﷺ-: " ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ". وذلك بعد أن قال رسول الله -ﷺ- " سمع الله لمن حمده " فلما انصرف رسول الله -ﷺ- قال: " من المتكلم آنفًا؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله -ﷺ-: " لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولًا " (٢) .
_________________
(١) رواه مسلم وأبو عوانة وأبو داود.
(٢) رواه البخاري وأبو داود ومالك.
[ ٣٤ ]