إننا أختي في الله قد اعتدنا على الصلاة، لذا أصبحنا إذا سمعنا الآذان بادرنا وتوضأنا ووقفنا ثم صلينا، ونحن لا تنفك أذهاننا تفكر في حياتنا ومشكلاتنا، وتفوتنا بذلك الخير الكثير.
فإذا ما أردت أن يتحقق لك الخشوع فافعلي الآتي:
١- إذا سمعت المؤذن فقولي كما يقول غير أنك إذا قال: "حي على الصلاة"، "حي على الفلاح" فقولي: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
لقوله -ﷺ-: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ إنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة - إنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله - فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة " (٢) .
وسؤال الوسيلة - يكون بهذه الكلمات التي وردت في الحديث الآتي:
_________________
(١) أخرجه أبو داود والنسائي في الكبرى والصغرى وأحمد والحاكم والبزار
(٢) بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة في صحيحه باب فضل الصلاة على النبي -ﷺ- بعد فراغ سماع الأذان وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة حديث رقم ١١.
[ ٦ ]
عن رسول الله –ﷺ- أنَّه قال: " من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة " (١) .
ثم اسألي الله من فضله واجتهدي في الدعاء، فإن الدعاء يجاب عند الآذان أو بين الآذان والإقامة، قال رسول الله –ﷺ-: " اثنان لا تردَّان أو قال ما تردان، الدعاء عند النداء وعند البأس حيت يلتحم بعضهم بعضًا" (٢) .
وإني ألحظ كثيرًا من الناس يجتهدون في الدعاء عند الكعبة، وهم يغفلون عن هذا الوقت الذي قلَّ ما تردَّ فيه الدعوة، بل يمضونه في الحديث الذي لا ينفع ويضيعون بذلك الكثير.
وإذا عرفتِ ذلك أختي فاجتهدي في الدعاء عند الآذان أو بين الآذان والإقامة. لما فيه من خير دنياك وآخرتك. قال رسول الله –ﷺ-:" الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد " (٣) .
ثم سارعي إلى الوضوء عملا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة:٦] .
_________________
(١) بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة في صحيحه باب صفة الدعاء عند مسألة الله – ﷿ – للنبي محمد الوسيلة. وهو عند البخاري كتاب الأذان باب ٨ بلفظ مقامًا محمودًا وهو الأصح. قاله الأعظمي.
(٢) أخرجه ابن خزيمة وقال الأعظمي إسناده حسن، ورواه أبو داود والبيهقي.
(٣) رواه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما. وزاد " فادعوا " وقال الألباني: صحيح: صحيح الترغيب والترهيب " (١/١٠٨) .
[ ٧ ]
واستحضري فضل الوضوء، فإن رسول الله –ﷺ- قد قال: " من توضأ فأحسن الوضوء وصلى غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى " (١) .
وإحسانه يكون بالوضوء كما كان يتوضأ رسول الله –ﷺ-، وإليكِ ما يوضح وضوءه –ﷺ-، ثبت أن عثمان بن عفان دعا يومًا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله –ﷺ- توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله –ﷺ-: " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه " (٢) .
فإذا علمت ذلك فاجتهدي في إتقان الوضوء كما مر واستجمعي فكرك كله، عليك مجاهدة نفسك أن تحدثك بأمر من أمور الدنيا (٣) .
وقد تقولين: كيف أستطيع أن أتوضأ دون أن أحدث نفسي؟ أقول: إذا أردت الوضوء فانشغلي في ذكر ما يقول رسول الله –ﷺ- عند الوضوء وهو قول: (بسم الله)، فإذا شرعت في الوضوء فتفكري في كل عضو تغسلينه ما اكتسب من الذنوب، فإذا فعلت ذلك استحضري أن الوضوء يكفر الذنوب، وأن الخطايا تخرج مع الوضوء.
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه باب ذكر فضائل الوضوء. قال الأعظمي إسناده صحيح، ورواه أحمد.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن خزيمة باب ذكر الخطايا بالوضوء، وهو عند مسلم كتاب الطهارة ٣٢.
(٣) إنما يطلب الاجتهاد في عدم تحديث النفس أثناء الوضوء لأجل استشعار هذه العبادة، أما مغفرة ما تقدم من الذنوب الوارد في الحديث فإنما تحصل لمن لم يحدث نفسه في الصلاة- أي الركعتين- دل على ذلك الضمير في – فيهما – فإنه عائد الركعتين.
[ ٨ ]
فإذا غسلت وجهك فتذكري أن كل خطيئة نظرت إليها عيناك خرجت مع الماء، وإذا غسلت يديك فاستحضري أن كل خطيئة بطشتها يداك خرجت مع الماء، وإذا غسلت رجليك فاستحضري أن كل خطيئة مشتها رجلاك خرجت مع الماء، وبهذا تخرجين من الوضوء مغفورة الذنوب كما قال رسول الله –ﷺ-: " إذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء (أو مع آخر قطر ماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر ماء) فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر ماء) حتى يخرج نقيًا من الذنوب" (١) .
ثم إذا هممت بالخروج من المغتسل فاستحضري ما حزتيه من الأجر العظيم من حط الذنوب ورفع الدرجات. واستحضري قوله –ﷺ-: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله –ﷺ- قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الٍخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط " (٢) .
واستحضري كذلك أن مواضع الوضوء ستكون علامة لك يوم القيامة تعرفين بها، فتنظرين إلى أعضائك التي غسلتيها بشيء من السرور والغبطة، أن هداك الله لهذا. وقد جاء في الحديث أنك تعرفين يوم القيامة بوضوئك كما جاء أن حليتك تبلغ منك مبلغ الوضوء.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ ابن خزيمة باب ذكر حط الخطايا بالوضوء، وهو عند مسلم كتاب الطهارة / ٣٢.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن خزيمة، وهو عند مسلم كتاب الطهارة / ٤١.
[ ٩ ]
خرج رسول الله -ﷺ- إلى المقبرة فسلم على أهلها، وقال: " سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. وددت أنا قد رأينا إخواننا "، قالوا: أو لسنا بإخوانك يا رسول الله؟ قال: " أنتم أصحابي، وإخواني قوم لم يأتوا بعد، وأنا فرطكم على الحوض " قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: " أريتم لو أن رجلًا له خيل غرٌ محجلة بين ظهري خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "فإنهم يأتون غرًا محجلين من أثر الوضوء، وأنا فطرهم على الحوض، ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلمّ فيقال: قد أحدثوا بعدك، وأقول: سحقًا سحقًا " (١) .
وقال -ﷺ-: " إن الحليلة تبلغ مواضع الطهور" (٢) .
وإذا خرجت وقد توضأت فاذكري هذا الدعاء لتنالي جزاءه، وهو الوارد في هذا الحديث، قال رسول الله -ﷺ-: " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " (٣) .، وإن زدتِ: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" (٤) فحسن.
وإذا فعلت ذلك في وضوئك فأنّى للشيطان أن يقربك، وأنّى له أن يدخل عليك بوسواسه، فأنت في كل لحظة معلقة قلبك بالله سبحانه وبما - ورد عن نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.