الفصل الثالث
بناء الشخصية الاجتماعية يعتمد بناء الشخصية الاجتماعية على شقّين، (الأول): إشباع حاجاته النفسية، و(الثاني): إعداده لممارسة حياته المستقبلية.
١ - إشباع الحاجات النفسية والاجتماعية: إن هذه الحاجات قد يعيش الإنسان بدونها، ولكن لن يكون شخصًا سويًا أبدًا إذا فقدها أو فقد بعضها، وسنعرضها باختصار:
(أ) حاجته إلى الاحترام والتقدير والاستقلال: وإشباع هذه الحاجة يعني قَبوله اجتماعيًا وزرع الثقة به واكتساب ثقته، وقد حفلَت السنّة بمظاهر احترام الطفل: كسلام النبي ﷺ على الصبيان (١) ومنادتهم بكُنىً جميلة (٢) واحترام حقوقهم في المجالس فقد استأذن النبي ﷺ الغلام أن يُعطي الأشياخ قبله، وكان هو الجالس عن يمين الرسول ﷺ (٣) .
والاحترام لابد أن يكون نابعًا من قلب الوالدين وليس مجرد مظاهر جوفاء، فالطفل وإن كان صغيرًا فإنه يفهم النظرات الجارحة والمحتقرة ويفرق بين ابتسامة الرضا والاستهزاء. وإضافة إلى السلام
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان: ٧ / ١٣١.
(٢) انظر: المرجع السابق، كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس: ٧ / ١٠٢.
(٣) رواه البخاري: كتاب الأشربة، باب هل يستأذن الرجل من على يمينه في الشرب ليعطي الأكبر ٦ / ٢٤٩.
[ ٣٥ ]
عليه ومناداته بأحب الأسماء واحترام حقوقه، إجابة أسئلته وسماع حديثه وشكره إذا أحسن والدعاء له والثناء عليه وإعطائه فرصة للدفاع عن نفسه وإبداء رأيه وسماع مشورته.
وأما في مرحلة الطفولة المتأخرة فيجب أن يتفاعل المربي مع ولده تفاعلًا عاطفيًا وعمليًا، إذ يصادقه ويرافقه في السفر ويشاركه في اللعب المباح والعمل والقراءة، ويسمع شكواه (١) وإذا اختلف المربي معه في الرأي فبينهما الحوار الهادئ واحترام كل للآخر إلا أن للوالدين حق الطاعة والبر.
كما على المربي أن يتقبل فكرة وقوع ولده في الخطأ، وأن يتذكر أن الخطأ ربما كان طريقًا للنجاح واستدراك الفائت، فلا يشنّع عليه ويتيح له فرصة الرجوع والتوبة؛ ليستعيد توازنه النفسي. وقد أشارت الدراسات إلى أن الأسوياء كان آباؤهم يتلفتون إلى محاسنهم ويمدحونهم على أعمالهم الحسنة أكثر من نقد الأخطاء، ويشاركونهم في اللعب والعمل كالأصدقاء (٢) .
وإذا فقدت هذه الصداقة وجدت الطفل في مراهقته يتعلق بزميل أو معلم أو قريب، وقد يكتسب خبرات سيئة كان الأولى أن يكتسبها من والده لو أن الصداقة عقدت بينهما.
كما أن احتقار الطفل يشعره بالغربة بين أسرته والرغبة في العزلة (٣)
_________________
(١) انظر: سلسلة دراسات نفسية وتربوية: فاروق عبد السلام وميسرة طاهر: ص ١١٣- ١١٤.
(٢) انظر: المرجع السابق: ص ١٠٣- ١٠٥.
(٣) انظر: المشكلات النفسية عند الأطفال، زكريا الشربيني: ص ١١.
[ ٣٦ ]
ومن جهة أخرى يقوّي صلته برفاقه الذين يعجبون به، وقد يكون هؤلاء رفقة سيئة فينساق معهم وينحرف، والواقع يشهد بمئات الأمثلة.
وقد تختلف شخصية الطفل وتفكيره عن والده فعندها يجب أن تظل بينهما أواصر الصداقة والمحبة، إذ ليس شرطًا أن يكون الولد صورةً عن أبيه ولكن المهم المحافظة على حالته النفسية (١) .
وأما الاستقلال فيبدأ عند الطفل في سن مبكرة، إذ يحاول الاعتماد على نفسه في تناول الطعام وارتداء الثياب وعلى الأم أن تساعده على الاستقلال والاعتماد على النفس وسيكون أمرًا صعبًا يحتاج إلى صبر، وينبغي ألا تقدم له المساعدة إلا إذا كان العمل عسيرًا لا يستطيعه، ويستمر في ذلك في كل حاجاته وأعماله، مما يدعم ثقته بنفسه ويسهل تكيفه مع المجتمع.