ومع فرحه سبحانه بتوبة عبد من عباده الضالين، ومع حبه الخاص لمن يحبب الناس فيه، فإنه سبحانه يغضب أشد الغضب لمن يُيئس الناس من بلوغ رحمته ويُنذرهم بانقطاع الأمل، وبأنه لا مآل لهم إلا النار.
وما إمهال الله لعباده المقصرين والمسرفين على أنفسهم، بل والكفار والمشركين - كما أسلفنا- إلا لأنه سبحانه يهيئ لهم من الأمور، ويرسل لهم من الرسائل ما قد يوقظهم من سباتهم، ويذكرهم بربهم.
فإذا ما جاء شخص ما وأشعر هؤلاء بأن الله لن يغفر لهم، وأنهم مغضوب عليهم، ولا أمل أمامهم، فسيؤدي ذلك إلى قنوطهم ويأسهم من رحمة الله، ومن ثمّ زيادة تماديهم في الطغيان، وانحرافهم، وابتعادهم عن طريق الهدى، لتكون نهايتهم النار.
فإن كنت- أخي القارئ- في شك من هذا فاقرأ هذا الحديث:
عن أبى قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎ للملائكة: ألا أخبركم عن عبدين من بني إسرائيل أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل أنه أفضلهما في الدين والعلم والخلق، والآخر يَرى أنه مسرف، فذُكر عند صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال: ألم يعلم بأني أرحم الراحمين؟ ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ وإني قد أوجبت لهذا الرحمة وأوجبت لهذا العذاب، فقال رسول الله ﷺ: فلا تألوا على الله ﷿» (٣).
_________________
(١) صحيح الجامع (٤٥٧٠).
(٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٢٦.
(٣) رواه مسلم.
[ ١٩ ]
وعن ضمضم بن جَوْس قال: دخلت مسجد رسول الله ﷺ في طلب صاحب لي فإذا رجل أدعج العين، براق الثنايا، فقال لي: يا تهامي لا تقولن لأحد لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة، قلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أبو هريرة. قلت: قد نهيتني عن شيء كنت أقوله إذا غضبت على أهل بيتي وحشمي، قال: فلا تفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كان رجلان من بني إسرائيل فكان أحدهما به رهق، والآخر عابدًا، فكان لا يزال يقول له: ألا تكف، ألا تقصر، فيقول: ما لي ولك دعني وربي. قال: فهجم عليه يومًا فإذا هو على كبيرة، فقال: والله لا يغفر الله لك، والله لا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، فلما قدما بهما على الله ﷿ قال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للعابد: حظرت على عبدي رحمتي، أكنت قادرًا على ما تحت يدي؟ انطلقوا به إلى النار».
قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لقد تكلم كلمة أوبقت دنياه وآخرته (١).