ومن المظاهر العجيبة للرحمة الإلهية ابتلاؤه لعباده بالذنب، والحرمان من الطاعة، بتركهم لأنفسهم وعدم إعانتهم وتوفيقهم للقيام بالطاعة والإقلاع عن الذنب، فيستشعروا وقتها مدة فضل ربهم عليهم، وأنهم به لا بأنفسهم، وأنه لو تخلى عنهم طرفة عين لهلكوا، ولضلوا، ولوقعوا في أشد المعاصي.
وفي المقابل لو استمر إمدادهم بالتوفيق والإعانة اللازمة للقيام بالطاعة، وترك المعصية، فمن المتوقع أن يتسرب إلى نفوسهم داء العُجب، فيعجبوا بأعمالهم، وبصلاحهم، ويغترون بذلك، ويظنون أن لهم مكانة خاصة عند الله بهذا الصلاح وهذه الأعمال، ويحتقرون غيرهم من المقصرين، فتكون هذه الطاعات سببًا لارتدائهم رداء الكبر، ومن ثمَّ استدعائهم لغضب الله وعقابه المُستحق للمتكبرين.
لذلك كان الابتلاء بالذنب، والحرمان من الطاعة من لطف الله الخفي بعبده، بل من دلائل حبه له أحيانًا.
جاء في الحديث: «يقول الله ﷿: وإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأكفه عنه كيلا يدخله العجب، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليم خبير» (٤).
ولعلنا بذلك ندرك مغزى قوله ﷺ: «لو لم تكونوا تذنبون، لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العُجب العُجْب». (٥)
ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله ﷺ للصحابة «لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا، لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم». (٦)
_________________
(١) المحبة للجنيد/ ٧٣.
(٢) رواه الترمذي (١٠٢١).
(٣) حسن، أخرجه الترمذي وأورده الألباني في صحيح الجامع ح (٨١٧٧).
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أنس مرفوعًا.
(٥) صحيح الجامع الصغير (٥٣٠٣).
(٦) صحيح، رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٥٣).
[ ٣٥ ]