ومع حلمه العظيم وصبره سبحانه على عباده، فإنه كذلك ستير، يسترهم ولا يفضحهم رغم إساءاتهم البالغة.
تخيل - أخي القارئ- أن صديقك الذي يحبك وتحبه، قد علم أنك قد حسدته على الخير الذي أتاه .. ماذا ستكون مشاعره تجاهك؟!
ولو علم من اغتبته بما ذكرته عنه .. بأي وجه سيلقاك بعد ذلك؟!
ولو علم الناس حقيقة أمري وأمرك ومدى تقصيرنا في جنب الله، وجرأتنا على معاصيه أتراهم يُقبلون علينا ويبتسمون في وجوهنا؟ وهل سيلقون علينا السلام أصلا؟!
إن من أَجَلّ رحمات الله بعباده ستره لهم، وعدم انكشاف هذا الستر أمام بعضهم البعض، وإلا لما استطاعوا أن يتعايشوا فيما بينهم، أو يتوادوا، أو يتراحموا، ولما أقدم بعضهم على مساعدة البعض، ومن ثمَّ يصبح الجميع فريسة سهلة للشيطان.
بل إنه سبحانه يستحثنا على ستر بعضنا البعض، ووعد بعظيم الجزاء لمن ستر أخاه.
يقول ﷺ «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» (٢).
هذه في الدنيا، أما في الآخرة فيستمر الستر لعباده المؤمنين.
قال ﷺ: «إن الله تعالى يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، وستره من الناس، ويقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يُعطى كتاب حسناته بيمينه» (٣).
وإليك هذه القصة:
ونختم الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله لعباده بهذه القصة التي وقعت أحداثها في زمن موسى - ﵇ - إذ أصاب قومه القحط، فاجتمع الناس إليه، فقالوا: يا كليم الله، ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم، وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون. فقال موسى ﵇: إلهي، اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرُضَّع، والبهائم الرُتع، والمشايخ الركع، فما زادت السماء إلا تقشُّعًا، والشمس إلا حرارة وأوحى الله إليه إنَّ فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي، فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم، فبه منعتكم.
فقام مناديًا وقال: أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة، أخرج من بين أظهرنا، فبك مُنعنا المطر.
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في الدر المنثور للسيوطي ٣/ ٤٥.
(٢) رواه مسلم.
(٣) صحيح الجامع الصغير ح (١٨٩٤).
[ ٤٦ ]
فقام العبد العاصي، فنظر ذات اليمين وذات الشمال، فلم ير أحدًا خرج، فعلم أنه المطلوب، فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افُتضحت على رءوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منُعوا لأجلي، فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله، وقال: إلهي وسيدي، عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعًا فاقبلني، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القِرَب، فقال موسى: إلهي وسيدي، بماذا سُقينا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى، سقيتكم بالذي به منعتكم.
فقال موسى: إلهيّ أرني هذا العبد الطائع. فقال: يا موسى إنّي لم أفضحه وهو يعصيني، أأفضحه وهو يطيعني؟! (١).
تاسعًا: خطابه الودود