بلا شك أن الله ﷿ هو الذي يحبب إلينا فعل الخير، ويعيننا على القيام به، ويصرف عنا الشواغل، ويزيل العوائق، فلولاه سبحانه ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
ومع ذلك فإننا نجده سبحانه يُعظِّم أعمالنا ويكبرها، ويشعرنا بأننا قد فعلنا شيئًا عظيمًا .. تأمل قوله لأهل الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].
أهذه الأعمال القليلة تستحق هذا الجزاء العظيم لو افترضنا أن أصحابها بالفعل قد قاموا بها دون إعانة من أحد؟ فما بالك والأمر غير ذلك، فالله ﷿ هو الذي وفقهم وأعانهم للقيام بها، ثم يقول لهم بعد ذلك وهم يتقلبون في صور النعيم في جنات الخلود: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢].
تخيل لو أن رجلا غنيًا- واسع الثراء- له صديق فقير يحبه كثيرًا ويريد أن يساعده دون أن يجرح مشاعره، فهداه تفكيره إلى أن يطلب منه القيام ببعض الأعمال البسيطة الخاصة به، فلما قام بها أعطاه مقابل ذلك عطاء كبيرًا، ولم يكتف بذلك بل أشعره بأن ما قام به من أعمال قد عادت عليه بنفع كبير، وأنه مهما أعطاه فلن يستطيع أن يوفيه حقه، و
كل هذا ليقبل صديقه الفقير أعطيته بنفس راضية، على الرغم من أن هذا الفقير يعلم في قرارة نفسه أن هذا المقابل لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع ما قام به من أعمال.
هذا تشبيه- مع الفارق- لما يستشعره أهل الجنة عندما يفاجئون بنعيم لا يمكن تخيله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣].
فماذا يقولون بعد ذلك؟!
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) صحيح الجامع الصغير (٥٥٦٢).
[ ٣١ ]
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] فإذا بهم يفاجئون بنداء يقول لهم: بل هذا حقكم وجزاء أعمالكم ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].