أرأيت لو أن زميلا لك قد أساء إليك إساءات بالغة، وارتكب في حقك مخالفات جسيمة، ثم جاءك بعد أن أفسد وأفسد ليعتذر لك عما فعله، أليس أدنى ما يتوقع منك ساعتها أن تجلس معه وتعاتبه، وتطلب منه إصلاح ما أفسده قبل قبول اعتذاره، وأن تأخذ منه المواثيق على ذلك؟!
ولكن الله ﷿ لا يفعل معنا ذلك، فهو يقبل منا الاعتذار - مهما كان حجم جرائمنا في حقه - دون استقصاء، كما حدث مع موسى - ﵇ - فبعد أن قتل القبطي، وقبيل هروبه من مصر قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ فبماذا أجاب الله؟ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ لماذا المغفرة بكل هذه السهولة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
لا يطالب أحدًا بإصلاح ما أفسده إلا إذا كان في حقوق الناس - رحمة بهم - أما ما كان في حقه سبحانه، فهو يتجاوز عنه .. لماذا؟!
لأنه لا يريد أن يضع أي عقبات أمام طريق التوبة.
يريد أن يجعل الطريق سهلا ميسرًا للجميع دون استثناء.
يكفي أن يندم المرء على ما فعل، ويستغفر الله بصدق ويتوب إليه.
يكفي ذلك، فليس المطلوب منه تقديم كشف بالمخالفات التي ارتكبها، وكيف سيصلحها .. تأمل معي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ ما الذي سيحدث إن فعل ذلك؟ ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. لا يجده منتقمًا ولا يجده جبارًا. بل يجده فرحًا بتوبته، لأنه يحبه، وينتظر منه هذه التوبة ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (١٢٦).
[ ٤٢ ]