لقد خلقنا الله ﷿ من العدم وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة والأطراف والأجهزة المختلفة كأسباب تتيسر لنا من خلالها الحياة بلا منغصات.
هذه الأسباب لا تملك في نفسها القدرة الذاتية على القيام بوظائفها المختلفة، فالعضلات- مثلا- خلقها الله ﷿ ولديها القابلية للانقباض والانبساط، لكن الذي يمدها بالفاعلية والقدرة على ذلك هو الله ﷾. في كل لحظة وطرفة عين يمدها سبحانه بما يكفل لها القيام بوظيفتها ولو تخلى عنها طرفة عين لما انقبضت، ولا انبسطت، فإذا أردت الضحك لا تطاوعك عضلات فمك فيما تريد لأنها بدون المدد الإلهي تبقي عاجزة ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].
هذه هي الحقيقة فهو سبحانه الذي أضحك وأبكى، وهو الذي أقام وأقعد، وهو الذي حرَّك وسكَّن.
نعم- أخي القارئ- لا قيمة لأحد منا بدون الله، وكيف لا وكل خلية تعمل في جسمك فإن ربك هو القائم عليها، وعلى تدبير شئونها.
القلب يتعاهده ويحفظه ويتولى ضبط سرعة ضخه للدم.
اللقمة التي تأكلها في فمك يتولى ﷾ عملية تسييرها وهضمها وامتصاص النافع منها، وإخراج ما ينبغي إخراجه.
النَفَس الذي تتنفسه يتولى سبحانه عملية دخوله إلى الرئتين وأخذ مادة الأكسجين منه وإخراجه محملا بثاني أكسيد الكربون.
الكُلية يعمل بها حوالي مليون جهاز ترشيح يقوم عليهم جميعًا ويتولى أمر حفظهم وإمدادهم بالقدرة على تنقية الدم والسوائل مرات ومرات في اليوم الواحد.
يقوم سبحانه على الجهاز العصبي والإحساس، وعلى الجهاز المناعي، وعلى الغدد وما تفرزه من هرمونات تحتاج دومًا إلى ضبط نسبها الدقيقة في الدم.
قائم على الدم، وضبط درجة سيولته في كل لحظة، فلو زادت لحدث النزيف ولو نقصت لكانت الجلطات والعياذ بالله.
_________________
(١) حسن، رواه أحمد والطبراني والحاكم، وقال صحيح الإسناد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (٦٥٧).
[ ٢٧ ]
يتولى سبحانه أمر إبصارك بالعين، وسماعك بالأذن، ونطقك باللسان.
يمدك بالماء ويمكنك من شربه، ويمده بالقدرة على إروائك ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢].
يتولى أمر إثمار الطعام بأنواعه لتجده أمامك في أي وقت تشاء ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ - أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا - ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا - فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا - وَعِنَبًا وَقَضْبًا - وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا - وَحَدَائِقَ غُلْبًا - وَفَاكِهَةً وَأَبًّا - مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].
يوحي إليك فعل الخيرات ويحببها إليك، ويصرف عنك فعل المنكرات ويكرهك فيها.
يجعلك تنام لترتاح، ويتولى حفظك وأنت نائم، ثم هو الذي يوقظك ويرد إليك روحك.
قريب منك .. أقرب مما تتخيل، يجيب دعاءك إذا ناديته بصدق وطلبت منه حاجتك.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
يحميك من نفسك ومن عدوك ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
يحفظ لك أولادك وأهلك «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل».
فماذا تقول لمن يفعل معك كل هذه الأمور وغيرها كل يوم ومنذ أن ولدت؟!
ماذا تقول لمن يطعمك ويسقيك وإذا مرضت فهو الذي يشفيك؟!
فلتردد معي قوله ﷺ: «الحمد لله الذي يطُعمِ ولا يُطعمَ، منَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودّع ربي، ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُري، وهدى من الضلالة، وبَصَّر من العَمي، وفضّل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين» (١).
* * *
رابعًا: من مظاهر حبه لك: