فإن قلت إن والديَّ لا يفتآن يدعوان لي بالصلاح والفلاح حرصًا منهما عليَّ وعلى استقامتي، ذكرناك بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وإن قلت فإن والدي يعتصرهما الألم والشفقة إذا ما أصابني مكروه من مرض ونحوه، بشرناك بأن الله ﷿ يشملك وقت مرضك- عافاك الله من كل مكروه- برعاية ومعية لا يمكن تصورها، ويكفيك في ذلك هذا الحديث القدسي الذي يخبرنا بأن الله ﷿ يقول يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده» الحديث (٦).
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) صحيح الجامع الصغير (١٧٦٨).
(٣) رواه مسلم (٢٧٥٤) والبخاري (٥٩٩٩).
(٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٣، وقال: رواه البزار من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(٥) حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا برقم (٢١).
(٦) رواه مسلم (٢٥٦٩).
[ ٣٢ ]
وليس هذا فحسب بل إنه ﷾ قد رغَّب عباده في عيادة المريض، ووعدهم على ذلك بعظيم الجزاء لتكون الزيارة سببًا في رفع معنويات المريض، وتخفيفًا عنه، وتسرية له.
قال ﷺ: «ما من مسلم يعود مسلمًا غُدْوَة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشيّة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة». (١)
وليس ذلك للمريض فحسب، بل لكل أصحاب الحالات الخاصة والضعفاء كأهل البلاء والأرامل والأيتام.
فهؤلاء تزداد الرحمة والشفقة الإلهية عليهم، وتزداد تبعًا لذلك وصاياه لنا برعايتهم مع وعده - سبحانه- بعظيم الجزاء الذي يفوق ويفوق ثواب الكثير من العبادات.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» وأحسبه قال: «وكالقائم الذي لا يَفتُر، وكالصائم الذي لا يُفطر» (٢).
ويخبرنا ﵊ مبلغًا عن ربه بأن «من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم أصابعه (٣).
أما عن اليتيم فلا تسل عن فضل كفالته .. يكفي أن كافله سيكون جار رسول الله ﷺ في الجنة.
وليس هذا فحسب، بل كان الترهيب الشديد من تضييع أمواله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].