عندما يقرأ المرء الأخبار السابقة، وبخاصة ما يتعلق بفرح الله ﷿ العظيم بتوبة عبد من عباده فمن المتوقع أن تقفز إلى الذهن بعض التساؤلات عن أسباب هذا الفرح فالله ﷿ لا تنفعه هذه التوبة بشيء، فهو الغنى الحميد، فلماذا هذه الفرحة إذن؟
من السهل علينا أن ندرك سر هذا الفرح عندما نتذكر أن الله ﷿ اختص الإنسان لنفسه دون خلقه جميعًا، وأنه يريد منه أن ينجح في امتحان العبودية ليُدخله الجنة، فمراده سبحانه من جميع البشر دخول جنته ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
مراده أن يعود الجميع إليه ليكرمهم وينعمهم في دار أعدها خصيصًا لهم، وجعل لكل منهم فيها جزءًا مقسومًا، وهو سبحانه يريد لكل منهم أن ينال نصيبه في تلك الدار، ويتبوأ منزله فيها ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ [يونس: ٢٥] وفي نفس الوقت فهو لا يريد أن يُدخل أحدًا من عباده النار ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ
الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
هذا الأمر ينطبق على جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كل العصور والأزمان .. عباد الصليب .. عباد البقر .. الملحدين والوثنيين .. كل هؤلاء يريد الله منهم أن يدخلوا الجنة، ويكفيك في هذا أنه ﷾ يمهل هؤلاء وغيرهم من الكافرين، ويعطيهم الفرصة تلو الفرصة، مع قدرته المطلقة عليهم وإحاطته التامة بهم، فلو شاء أن يهلكم لأي ذنب يفعلونه لأهلكهم، لكنه لا يفعل، بل يحلم ويصبر ويمهل لعلهم ينتبهون من غفلتهم.
معنى ذلك أنه ما من واحد يدخل النار إلا لأنه يأبى ويصر على ألا يدخل الجنة كما قال ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّة إلاَّ مَنْ أَبَى» (٥).
_________________
(١) صحيح الجامع (٥٠٧٧).
(٢) رواه البخاري (٦٥٠٢).
(٣) التحفة العراقية/ ٤٣.
(٤) رواه مسلم.
(٥) صحيح البخاري ج (٦٧٣٧).
[ ١٨ ]
نعم، هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها البشر «كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله» (١).
ومثال ذلك ما حدث لأصحاب القرية التي كذبت الرسل فأصابهم العذاب بعد طول إمهال ليأتي التعقيب القرآني ليؤكد أنهم هم الذين أبوا إلا العذاب ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس:٣٠].