لما عصا آدم - ﵇ - ربه، ندم ندمًا شديدًا، ولكنه لم يعرف كيف يعبر عن ندمه واعتذاره لربه، فرأى منه الله هذه الحال فدلَّه - الرحيم - على ما يقوله له، ليختصر عليه الطريق ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٥٣٤) وقال حديث حسن.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
(٣) رواه ابن عساكر في أماليه عن أبى هريرة وأورده الهندي في كنز العمال (١٠١٦٥).
[ ٤١ ]
وكذلك ما حدث مع بني إسرائيل، فبعد أن ارتكبوا كبائر الذنوب، وعبدوا العجل، وقالوا لنبيهم: أرنا الله جهرة و.. أراد الله أن يتوب عليهم فدلهم على وسيلة ذلك والألفاظ التي يقولونها ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨].
فأي رب غفور رحيم هو ربنا!
يعلمنا كلمات نقولها، وأدعية ندعوه بها تحمل معان عظيمة، ثم يخبرنا بأننا لو قلناها بصدق غفر لنا ذنوبنا وأعطانا مرادنا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
هذه الكلمات النورانية لو أردنا نُعبَّر عما تحمله من معان بكلمات من عندنا فكم عبارة سنقولها؟ وهل سترقى تلك العبارات فتليق ببلاغة الآيات؟!
ثم إن هذه الآيات وغيرها من الأدعية مما ورد على لسان المؤمنين، من الذي أنزلها؟!
أليس هو الله ﷿؟!
ومن هم هؤلاء المؤمنين الذي يقولونها؟!
إنهم ليسوا أشخاصًا بعينهم، ولكنها نموذج يقدمه الله لنا لكي يختصر علينا طريق اختيار الكلمات والعبارات التي تنال رضاه، وتستفتح باب فضله وكرمه، فيجيب علينا - حين نرددها - بفتح خزائن عفوه وفضله ورزقه.
وقد ورد أن العبد حين يقرأ: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ يجيب سبحانه: «قد فعلت»، فإذا قال: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ يجيب الله: «قد فعلت» وهكذا (١).
فانظر إلى مدى حب الله لنا، يعلمنا ما نقول، ليجيبنا بعد القول: قد فعلت!.