فإن قلت: ولكن أنا لا أفعل هذه الموبقات، وأعمل جاهدا على إصلاح نفسي، والاستقامة على أمر الله، فلماذا أُعاقب بما يعاقب به العاصون؟
[ ٢٠ ]
يجيب عن هذا التساؤل أبو بكر الصديق ﵁ بقوله: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة/١٠٥]، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " (١).
إن الأمة الإسلامية أمة واحدة، يشكل مجموع المسلمين جسدها، فإذا حدث لعضو في هذا الجسد مكروه، فعلى الجميع أن يعملوا على عودته لصحته مرة أخرى.
إذن فكون البعض منا صالحا في نفسه، مبتعدا عما يغضب ربه، فهذا لا يعفيه من مسئوليته عن الأمة وما يحدث لها عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبذل غاية جهده في إصلاح الفساد، وإقامة المشروع الإسلامي، فإن لم يفعل ذلك دخل في عموم المعاقبين عقابا جماعيا كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال/٢٥]. يقول ابن عباس ﵄ في تفسيره لهذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب، وقال الضحاك عن الفتنة المذكورة في الآية: إنها تصيب الظالم والصالح عامة (٢).
_________________
(١) أخرجه: وأبو داود (٤/ ١٢٢، رقم ٤٣٣٨)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٣٨، رقم ١١١٥٧) والترمذي (٤/ ٤٦٧، رقم ٢١٦٨)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢/ ١٣٢٧، رقم ٤٠٠٥)، والبيهقي (١٠/ ٩١، رقم ١٩٩٧٦)، والعدني، والحميدي عن أبى بكر ﵁، قال المناوي: بإسناد جيد).
(٢) الدر المنثور للسيوطي (٣/ ٣٢٢)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
[ ٢١ ]
وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم. قال: يارب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟! قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم (١).
وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم:
إن مخالفة أوامر الله وعصيانه لَشيء عظيم عنده سبحانه .. نعم هو الحليم الصبور، يصبر على عباده مرة ومرة، ولكن إذا ما استمروا في عصيانهم عاقبهم لعلهم يفيقون من غفلتهم ويرجعون إليه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم/٤١].
لقد خرج الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله ﷺ لملاقاة المشركين عند جبل أحد، وبدأت المعركة وانتصر المسلمون في البداية، ولما خالف عدد قليل منهم أمر رسول الله ﷺ كان العقاب الأليم من الله ﷿ وكانت الهزيمة العنيفة التي حدثت لهم، فرسول الله ﷺ كاد أن يُقتل، واستشهد منهم سبعون رجلا و، كل ذلك بسبب عصيان بعضهم لأمر رسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [آل عمران/١٥٢].