في الصفحات السابقة استعرضنا معا الأسباب التي تحول بيننا وبين أن نكون عبيدا مخلصين لله ﷿، والتي تنطلق من محاور ثلاثة: العقل، والقلب، والنفس. ومن ثَمَّ فإن التغيير الحقيقي في ذات الإنسان ينبغي أن يشمل هذه المحاور الثلاثة.
[ ٤٤ ]
فإذا ما نظرنا إلى العقل وجدنا أن بداية التغيير الحقيقي فيه تأتي من خلال فكر الإنسان وقناعاته واهتماماته وتصوراته وهذا يشمل العقل المدرك، والعقل الباطن غير المدرك، بل إن التغيير في العقل الباطن هو الأهم باعتباره مصدرا للأفعال التلقائية والتي قد تتناقض مع قول المرء وما يدعو إليه. من هنا كان من الضروري استبدال الأفكار الخاطئة الراسخة في اللاشعور بأخرى صحيحة .. وهنا يأتي دور القرآن.
فمن أهم سماته أنه كتاب يخاطب العقل، ويُعلي من شأنه ويستثير صاحبه إلى استخدامه والتفكر به.
يطرح عليه القضايا الكلية التي يقوم عليها التصور الإسلامي الصحيح لمفردات الحياة والكون المحيط، ويُقنعه بها.
يؤسس عنده عقيدة التوحيد بصفاء وسهولة، بل إنه يجعل قارئه يصل إلى قناعة تامة بكل ما يتعلق بتوحيد الله ﷿ وحقوقه علينا، فيطرح عليه القضايا الاعتقادية من بدايتها .. هل للكون إله؟ من هو؟ وما اسمه؟ هل هناك معه شريك؟ هل له زوجة؟ هل له ولد؟
هذه الأسئلة الخطيرة يجيب عنها القرآن بكل سهولة ويسر، بل ويعرض وجهة النظر المخالفة في بعض الأحيان حتى يفندها ويبطلها تماما، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء/٤٢]، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون/٩١].
[ ٤٥ ]
ومع التعريف بالله ﷿ وبأسمائه وصفاته يعرف القرآن قارئه بعالم الغيب، ويثبت له بالأدلة العقلية قضية البعث والحساب والجزاء: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس/٧٨ - ٨٠].
والقرآن يجيب عن التساؤلات الحائرة في ذهن الإنسان، ويؤصل لديه التصورات الصحيحة لكل ما يتعامل معه من مفردات الحياة كنظرته للرزق، والمستقبل، والزوجة، والأولاد ، وكل ما يتعلق بأموره الدنيوية.
وبيَّن كذلك أصول الشريعة وقواعدها الكلية، وأنها ما شُرعت إلا رحمة للعباد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء/١٠٧].