من الأسباب الرئيسية للسلوك الخاطئ: ضعف الإيمان في القلب، وغلبة الهوى عليه، فعلى قدر الإيمان تكون الأفعال الصالحة كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج/٣٢].
وكان من دعائه ﷺ: " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك " (١)
وللقرآن طريقة فريدة في زيادة الإيمان في القلب وطرد الهوى منه، وذلك من خلال قدرته على التأثير في مشاعر الإنسان بمواعظه البليغة وقوة سلطان ألفاظه على النفس: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر/٢٣].
الإيمان والهوى:
الإيمان محله القلب، وكذلك الهوى ..
والقلب هو مجمع المشاعر داخل الإنسان ..
معنى ذلك أن تأثير المشاعر وانفعالها مع قضية ما، تؤدي على زيادة الإيمان أو الهوى في القلب حسب نوع القضية التي يتم التجاوب معها ..
فإذا ما انفعلت المشاعر مع أي عمل إيماني - كحال البعض عند الدعاء مثلا - فإن من شأنه أن يزيد الإيمان في القلب.
_________________
(١) حديث حسن: سنن الترمذي - (ج ٥ / ص ٥٢٨)، وقال: حديث حسن غريب، وقال الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة ": حسن.
[ ٤٧ ]
وإذا ما تأثرت المشاعر وتجاوبت مع أمر يخدم الهوى - كحال البعض عند ما يسمى بالأغاني العاطفية - فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الهوى في القلب.
من هنا يتبين لنا كيفية زيادة الإيمان عند قراءة القرآن، وذلك من خلال التأثير والانفعال بالآيات ..
فلحظات الانفعال والتجاوب القلبي مع القراءة تعني دخول نور هذه الآيات إلى القلب وتأثيره على المشاعر مما يؤدي إلى زيادة الإيمان.
وكلما زاد الإيمان في القلب انعكس ذلك على الجوارح بأعمال صالحة لم يكن من السهل قبل ذلك القيام بها.
وشيئا فشيئا تعود الحياة إلى القلب ويتم تنويره بنور القرآن، وينزوي الهوى، وتقل مساحته إلى أن تأتي لحظة من أهم لحظات العمر .. لحظة تحرر القلب بأكمله من سلطان الهوى، ليصبح قلبا حيا سليما يملؤه نور الإيمان، فينطلق بعد ذلك في رحلته المباركة سائرا إلى الله ﷿ مستصحبا معه الدليل الأمين - القرآن العظيم - الذي يقوم بهذا الدور على أحسن ما يكون من خلال تعريفه بربه، لتثمر هذه المعرفة عبادات قلبية من خشية ورجاء وحب وإجلال وتوكل وإنابة وثقة واستعانة وطمأنينة
وكلما تعرف العبد على ربه أكثر تغيرت معاملته له، ومن ثم ازداد قربه منه. كل هذا يفعله القرآن بسهولة ويسر ودون تكلف.