ولقد كان الصحابة شديدي الحرص على تبليغ هذه الوصية لمن بعدهم، فعندما جاء اثنان من التابعين لعبد الله بن مسعود ﵁ بصحيفة فيها كلام حسن ويريدان منه الإطلاع عليه، فما كان منه إلا أن نادى على الخادم ليُحضر الطست، ثم سكب عليها الماء وجعل يمحوها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف/٣]، فقالوا له: أنظر فيها، فإن فيها حديثا عجبا، فجعل يمحوها ويقول: عن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره.
وهذا هو المطلوب: أن لا نشغل القلوب بشيء غير القرآن وبخاصة في البداية.
:
ومع الانشغال اثانيا: التهيئة الذهنية والقلبيةليومي بالقرآن ينبغي أن نهيئ الجو المناسب لاستقباله ولقائه، فلا يصح أن نلتقي به في مكان تملؤه الشواغل والضوضاء مما يشوش على الذهن ولا يجمع القلب مع القراءة
فإن قلت: ولكني أستطيع - بفضل الله - التركيز مع القراءة في أي مكان مثل وسائل المواصلات.
نعم يمكنك ذلك، ولكن ماذا تفعل إذا حدث لك تجاوب وتأثر بالقراءة، هل ستبكي أمام الناس .. هل سترفع يديك بالدعاء في حضورهم؟!!
إننا نريد من القرآن التغيير، وهذا يتطلب مكانا هادئا بعيدا عن الأعين والأصوات .. فلنخصص إذن مكانا مناسبا في بيوتنا لهذا الغرض، فإن لم نستطع ففي ركن بعيد من أركان المسجد، فإن لم نستطع فلن نُعدم مكانا هادئا إذا ما أردنا ذلك، قال ﷺ: " ومن يتحر الخير يُعطه ".
ومع المكان الهادئ علينا أن يكون لقاؤنا مع القرآن في أفضل أوقاتنا، حيث قوة التركيز والنشاط. ولا ننسى الوضوء والسواك فإنهما من وسائل التهيئة كذلك.
هذا من ناحية التهيئة الذهنية والنفسية، أما من ناحية التهيئة القلبية، فكلما كانت المشاعر في حالة من الاستثارة والخشية، كان تأثر القلب بالقرآن أقوى كما قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى/١٠].
[ ٥٨ ]
وفي قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ ما يؤكد هذا المعنى، فعندما ضرب أخته فاطمة وسال الدم على وجهها، رق قلبه واستُثيرت مشاعره، فلما استمع إلى القرآن وهو بهذه الحالة الشعورية انجذب القلب له ودخل نوره إليه بإذن الله.
وهذا ما نريده، أن نستثمر أوقات التأثر التي نمر بها في يومنا، فنهرع حال وجودها إلى القرآن فنقرؤه، ونعيش معه بعقولنا ومشاعرنا، فيمتزج الفكر بالعاطفة، ويزداد القلب خشوعا وإيمانا.
في حالة عدم وجود مثل هذه الأوقات في اليوم، علينا أن نعمل على استثارة مشاعرنا قبل التلاوة، بالتفكير في الموت وسكراته وأحداث يوم القيامة، أو بالقراءة في كتاب من كتب الرقائق، أو الاستماع إلى موعظة ترقق القلب وتؤهله لاستقبال القرآن.
وهناك الكثير من الآيات التي تؤكد على أن الانتفاع الحقيقي بالقرآن يستلزم وجود قلب خائف يستقبله، قال تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه/١ - ٣].
نعم، هذه الوسيلة ستحتاج منا إلى مجهود، وبخاصة في البداية، ولكن بمرور الوقت وبدء عملية التغيير، ومع الزيادة المستمرة للإيمان في القلب والتي سيحدثها القرآن بمشية الله ستصبح المشاعر مؤهلة للاستثارة والتجاوب والانفعال بمجرد التلاوة وحدها دون الحاجة للتأهيل قبلها.