إذن فالواجب يحتك علينا أن نجتهد في تحصيل أسباب القوة، ليتنزل نصر الله ومدده من خلالها دون تعلق بتلك الأسباب، أو اعتبار أن النصر يستلزم وجودها بقدر كبير، وهذا ما كان يفهمه المسلمون الأوائل .. فقد كانوا ينتصرون على أعدائهم وهم أقل منهم عددا وعدة كما حدث في بدر واليرموك وغيرهما من المعارك الإسلامية الخالدة التي أظهرت القدرة والتأييد الإلهي للفئة المؤمنة مع قلة وجود الأسباب المادية معها .. تأمل معي قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران/١٣].
[ ١٢ ]
ومن فقه التعامل مع الأسباب:
أننا قد نُعذر إذا ما قصرنا في اتخاذ جميع الأسباب المادية لأمور خارجة عن إرادتنا، ولكننا لا نُعذر في عدم تعلقنا بالله ﷿ وتغيير ما بأنفسنا لأننا جميعا نقدر على ذلك.
ومن ذلك أيضا أنه إن كان قانون السببية من أهم القوانين الحاكمة للأرض، فإن السبب الأساسي الذي يستجلب النصر والتغيير هو تغيير ما بالنفس ونصرة الله عليها، وصدق التوجه إليه، وعدم التعلق بشيء سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد/٧]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران/١٢٠]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر/٣٦].
وعندما تُترك هذه القوانين يتعلق العبد بالأسباب المادية ولا يتعلق بالله ﷿، فإنه يُخذل ولا يوفق، كما حدث للمسلين في غزوة حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة/٢٥].
من هنا يتضح لنا أن السبب المحوري للنصر والتغيير هو التعلق التام بالله ﷿، وصدق التوجه إليه، وارتداء رداء العبودية له، وهذا لن يتم إلا من خلال تغيير ما بالنفس.