والنماذج كثيرة ومتنوعة، وكلها تؤكد على أن تغييرا جذريا وعميقا قد حدث في نفوس هؤلاء الأخيار أخرج الدنيا من قلوبهم، وعلق أبصارهم بالسماء، وجعلهم لا يفكرون إلا فيما يُرضي الله .. لقد حدثت معجزة عظيمة لهؤلاء نقلتهم هذه النقلة البعيدة، وأعادت صياغتهم وتشكيلهم من جديد
فما هو سر هذه المعجزة؟!
ما هو الدواء الذي استطاع - بعون الله - أن يُحدث هذا كله؟!
قد يقول قائل: إنه الإيمان العميق الذي تمكن من قلوبهم واستولى عليها، وكأنهم هم الذين دخلوا إلى الإيمان كما عبر القرآن: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر/٩].
ولكن يبقى السؤال عن الوسيلة التي تولد من خلالها هذا الإيمان، وأخرج هؤلاء الصفوة من الظلمات إلى النور.
يُجيب القرآن عن هذا السؤال بقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة/١٥، ١٦].
[ ٣٨ ]
فالقرآن إذن هو الدواء الذي تناوله هؤلاء فتغيروا هذا التغيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/٥٧].
إنه السر الأعظم والمعجزة الكبرى التي اختص الله بها هذه الأمة: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد/٣١].