فإن كان وجود الأسباب ضروريا لظهور القدرة الإلهية، فإن هذا ليس معناه التعلق بها، وتضخيمها، بل علينا أن نضعها في حجمها المناسب والمحدود، وإلا صارت حجابا يحجب التأييد والنصر الإلهي، وذلك عندما يتعلق به الشخص ويظن أنه يُنصر بها، فتصير شكلا من أشكال الشرك بالله ينافي كمال التوحيد ومقتضاه.
وفي المقابل، فإن من يترك الأسباب وهو قادر على تحصيلها ظنا منه أنه إذا توجه إلى الله ﷿ بطلب ما يريد فإنه سبحانه سيلبي له طلبه دون الحاجة على الأسباب .. هذا الشخص بهذا التصرف قد أساء الأدب مع الله ﷿، لأنه يريد منه سبحانه أن يخرق له السنن التي أقام عليها الأرض.
_________________
(١) أحاديث نبع الماء من بين أصابع الرسول ﷺ كثيرة منها: ما رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله ﷺ: " اطلبوا من معه فضل ماء " فأتى بماء فصبه في إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ.
[ ١١ ]
نعم قد يتعرض الواحد منا لمواقف تقل فيها الأسباب أو تنعدم دون إرادة منه، كمن لم يستطع النوم ويريد إنجاز الكثير من المهام التي تحتاج إلى تركيز وصفاء ذهن .. هنا انعدمت أسباب الراحة أو قلت دون إرادة منه، فماذا يفعل؟ هل يقول: لأني لم أنم فلن أستطيع القيام بهذه الأعمال، أم يتجاوز الأسباب التي لم تتح له ويتوجه مباشرة إلى الله ﷿، طالبا منه العون والمدد بالقدرة على التركيز وحسن إنهاء هذه الأعمال؟
لو تبنى الإجابة الأولى يكون تعلقه بالأسباب أكثر من تعلقه بالله ﷿.
ولو تبنى الإجابة الثانية تكون الأسباب بالنسبة إليه وسيلة تتنزل من خلالها القدرة الإلهية .. والدليل على ذلك أنه لم ينزعج عند انعدامها أو قلتها، بل توجه إلى الله مباشرة طالبا عونه ومدده. والأفضل من ذلك أن يكون حاله في وجود الأسباب كحاله عند عدم وجودها من تضرع وإلحاح على الله ﷿ وطلب العون والمدد منه سبحانه.