ولا تظنن أن هذه الطاقة تنفتح بالنوم والموت فقط، بل تنفتح باليقظة لمن أخلص الجهاد والرياضة، وتخلص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة.
فإذا جلس في مكان خال، وعطل طريق الحواس، وفتح عين الباطن وسمعه، وجعل القلب في مناسبة عالم الملكوت، وقال دائما:) الله - الله - الله (بقلبه، دون لسانه، إلى أن يصير لا خير معه من نفسه، ولا من العالم، ويبقى لا يرى شيئا إلا الله ﷾ انفتحت تلك الطاقة، وأبصر في اليقظة
[ ١٣٦ ]
الذي يبصره في النوم؛ فتظهر له أرواح الملائكة، والأنبياء، والصور الحسنة الجملية، وانكشف له ملكوت السماوات والأرض، ورأى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه، كما قال النبي ﷺ:) زويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغربها (وقال الله ﷿: (وَكَذلِكَ نُري إِبراهيمَ مَلَكوتَ السَماواتِ وَالأَرض) . لأن علوم الأنبياء ﵈ كلها كانت من هذا الطريق، لا من طريق الحواس، كما قال ﷾: (وَاِذكُرِ اِسمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّل إِلَيهِ تَبتيلًا)، معناه: الانقطاع عن كل شيء، وتطهير القلب من كل شيء، والابتهال إليه ﷾ بالكلية.
وهو طريق الصوفية في هذا الزمان. وأما طريق التعليم، فهو طريق العلماء. وهذه الدرجة الكبيرة مختصرة من طريق النبوة، وكذلك علم الأولياء؛ لأنه وقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق، كما قال ﷾: (آتَيناهُ رَحمَةً مِن عِندِنا وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا) .
وهذه الطريق لا تفهم إلا بالتجربة، وإن لم تحصل
[ ١٣٧ ]
بالذوق لم تحصل بالتعليم. والواجب التصديق بها حتى لا تحرم شعاع سعادتهم، وهو من عجائب القلب. ومن لم يبصر لم يصدق، كما قال ﷾: (بَل كَذَّبوا بِما لَم يُحيطوا بِعِلمِهِ وَلَمّا يَأتِهِم تَأويلُهُ)، وقوله: (وَإِذ لَم يَهتَدوا بِهِ فَسَيَقولونَ هَذا إِفكٌ قَديم) .