فإنك مأجورٌ - من نقدهمْ وحسدهِمْ - على صبرِك، ثمَّ إنَّ نقدهُمْ يساوي قيمتك، ثم إنَّ الناس لا ترفسُ كلبًا ميتًا، والتافهين لا حُسَّاد لهم.
قال أحدُهمْ:
إن العرانين تلقاها مُحَسَّدةً ولا ترى لِلِئَامِ الناسِ حُسَّادا
[ ١٢٠ ]
وقال الآخر:
حَسَدُوا الفتى إذْ لم ينالوا سعيَهُ فالناسُ أعداءٌ لهُ وخصومُ
كضرائرِ الحسناءِ قُلْن لوجهِهَا حسدًا ومقتًا إنهُ لذميمُ
وقال زهيرٌ:
مُحسَّدُون على ما كان من نِعَمٍ لا ينزعُ الله منهمْ ما له حُسِدوا
وقال آخرُ:
همْ يحسدوني على موتي فوا أسفًا حتى على الموتِ لا أخلو مِنَ الحسدِ
وقالُ الشاعرُ:
وشكوتَ مِن ظلمِ الوشاةِ ولنْ تجدْ ذا سؤددٍ إلا أُصيب بحُسَّدِ
لا زلت ياسِبط الكرامِ محسَّدًا والتافهُ المسكينُ غيرُ محسَّدِ
سألَ موسى ربَّ أنْ يكفَّ ألسنةَ الناسِ عنهُ، فقال اللهُ ﷿: «يا موسى، ما اتخذتُ ذلك لنفسي، إني أخلقُهم وأرزقُهُمْ، وإنهم يسبُّونَنِي ويشتُموننِي» !!
[ ١٢١ ]
وصحَّ عنهُ - ﷺ - أنهُ قال: «يقولُ اللهُ ﷿: يسبُّني ابنُ آدمَ، ويشتمني ابنُ آدم، وما ينبغي له ذلك، أمَّ سبُّه إياي فإنهُ يسبُّ الدهر، وأنا الدهرُ، أقلِّبُ الليلَ والنهارَ كيف أشاءُ، وأما شتمُه إياي، فيقولُ: إنّ لي صاحبةً وولدًا، وليسَ لي صاحبةٌ ولا ولدٌ» .
إنكَ لنْ تستطيع أن تعتقل ألسنةَ البشرِ عن فرْي عِرْضِك، ولكنك تستطيعُ أن تفعلَ الخيرَ، وتجتنب كلامهم ونقدهم.
قال حاتمٌ:
وكلمةِ حاسدٍ منْ غيرِ جرْمِ سمعتُ فقلتُ مٌرّي فانفذيني
وعابوها عليَّ ولم تعِبْني ولم يند لها أبدًا جبيني
وقال آخرُ:
ولقدْ أمرُّ على السفيهِ يسُبُّني فمضيتُ ثَمَّة قلتُ لا يعنيني
وقال ثالثٌ:
إذا نَطَقَ السَّفيهُ فلا تُجِبْهُ فخيرٌ مِنْ إجابِتِه السكوتُ
إنَّ التافهين والمخوسين يجدون تحدِّيًا سافرًا من النبلاءِ واللامعين والجهابذةِ.
إذا محاسني اللائي أُدِلُّ بها كانتْ ذنوبي فَقُلْ لي كيف أعتذرُ؟!
أهلُ الثراءِ في الغالبِ يعيشون اضطرابًا، إذا ارتفعتْ أسهمُهم انخفضَ ضغطُ الدمِ عندهم، ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴿١﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿٢﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿٣﴾ كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ .
[ ١٢٢ ]
يقولُ أحدُ أدباءِ الغَرْبِ: افعلْ ما هو صحيحٌ، ثم أدرْ ظهرك لكلِّ نقدٍ سخيفٍ!
ومن الفوائدِ والتجاربِ: لا تردَّ على كلمةٍ جارحةٍ فيك، أو مقولةٍ أو قصيدةٍ، فإنَّ الاحتمالَ دفنُ المعايبِ، والحلم عزٌّ، والصمت يقهرُ الأعداء، والعفو مثوبةٌ وشرفٌ، ونصفُ الذين يقرؤون الشتم فيك نسوهُ، والنصفُ الآخرُ ما قرؤوه، وغيرهم لا يدرون ما السببُ وما القضيةُ! فلا تُرسِّخْ ذلك أنت وتعمِّقهُ بالردِّ على ما قيل.
يقولُ أحدُ الحكماءِ: الناسُ مشغولون عني وعنك بنقصِ خبزِهم، وإنَّ ظمأ أحدِهم ينُسيهم موتي وموتك.
بيتٌ فيه سكينةٌ مع خبز الشعيرِ، خيرٌ من بيتٍ مليء بأعدادٍ شهيةٍ من الأطعمةِ، ولكنه روضة للمشاغبة والضجيج.