وَهُوَ مَا كَانَ لِلْخَلْقِ؛ لاَ لِلْحَقِّ؛ وَهْوَ أَنْوَاعٌ.
الْنَّوْعُ الأَوَّلُ: الْغَضَبُ للنَّفْسِ.
[ ٢٠ ]
فَلاَ يَسْمَحُ الْغَضْبَانُ. أَنْ يَنَالَهُ إِنْسَانٌ بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ؛ وَإِنْ كَانَ أُمًَّا أَوْ أَبًا، أَوْ زَوْجَةً أَوْ أَخًا فَكَيْفَ بِالْغَيْرِ؛ وَخَيْرُ الْهَدِي ِ هَدْيُ الْبَشِيْرِ - ﷺ -.
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ (مَا انْتَقَمَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ - لِنَفْسِهِ). رَوَاهُ مُسْلِمُ (١).
الْنَّوْعُ الثَّانِي: الَغَضَبُ لِلْعَصَبِيِّةِ.
فَالْتَّعَصُّبُ لِلْخَلْقِ؛ لاَ لِلْحَقِّ فِيْهِ مِنَ الْجَوْرِ،
وَالْظُّلْمِ، وَنُصْرَةِ الْظَّالِم ِ، وَمَنْعِ الْحَقِّ، وَإِحْقَاقِ الْبَاطِلِ، وَإِوَاء ِ الْمُحْدِثِ، وَتَعْظِيْم ِ
الأَشْخَاصِ، وَالْتَّمَسُّكِ بِالْتَّقَالِيْدِ وَالْعَادَاتِ، وَرَدِّ الْسُّنَّةِ وَالآيَاتِ؛ ما يدلُّ على أنَّهُ مذمومٌ قبيحٌ، وخطرُهُ واضحٌ صريحٌ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ قاتلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
الْنَّوْعُ الْثَّالِثُ: الَغَضَبُ لِلْحَمِيَّةِ.
فَالْحَمِيَّةُ لِلْخَلْقِ؛ لاَ لِلْحَقِّ؛ رَدٌّ لِلْحَقِّ، وَمُحَارَبَةٌ لَهُ وَلأَهْلِهِ، وَتَمَسُكٌ بِالْبَاطِلِ وَنُصْرَةٌ لَهُ وَلأَهْلِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الفتح٢٦)
_________________
(١) مسلم رقم٢٣٢٧ج٤ص١٨١٣باب مباعدته للآثام
(٢) صحيح مسلم رقم١٨٤٨ج٣ص١٤٧٦.
[ ٢١ ]
فَبِالْحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ رَدُّوْا الْرِّسَالَةَ الْرَّ بَّانِيةِ، وَحَارَبُوا نَبِيَّهُ.
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّه ِ فَقَالَ لِيَ النَّبيُّ: - ﷺ - يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَرْتَه بأُمِّهِ إنَّكَ امْرُؤٌ فِيْكَ جَاهِلِيَّةٌ. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وَفِي لَفْظٍ (إنَّ فِيْكَ لَحَمِيَّةً)
الْنَّوْعُ الْرَّابِعُ: الْغَضَبُ للدِّيْنِ بِمَا يُخَالِفُ الْوَحْيَين.
عَنْ جُنْدُبٍ - ﵁ -: أَنَّ رَسَولَ اللهِ - ﷺ - حَدَّثَ أَنَ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لاَ يَغْفِرُ الله ُ لِفُلاَنٍ فَقَالَ الله ُ: مَنْ ذَا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣).
قُلْتُ: فَكَانَ غَضَبُهُ عَلَى الْرَّجُلِ للهِ؛ لَمَّا لَمْ يَتْرُكْ مَعْصِيَةَ اللهِ؛ فَأَغْضَبَ الْمَوْلَى؛ لأَنَّهُ تَعَدَى؛ فَحَكَمَ عَلَى اللهِ بِلاَ عِلْمٍ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: - ﵁ - قَالَ،كَلِمَةً أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ (٤).
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاح ٍ ﵀: مَا أَبْكَى العَالِمَ كَغَضْبَةٍ؛ غَضِبَهَا أَحْبَطَتْ عَلَيْهِ عَمَلَ خَمْسِيْنَ سَنَةً
قُلْتُ: وَقَدْ يَسْتَحِلُّ بَعْضُ الْغَاضِبِيْنَ للهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْعُصَاه مَا حَرَمَهُ الله ُ؛ وَحُجَّةُ الْغَضْبَان؛ أنَّهُ غَضِبَ للرَّحْمَن.
_________________
(١) البخاري رقم٢٩ج١ص٥٢
(٢) مسلم رقم ٣١٣٩ج٨ص٤٧٩
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢٢ ]
قُلْتُ: فَالْغَضَبُ مِنْ أَجْلِ اللهِ لاَ يُحِلُ مَا حَرَمَ اللهُ؛ مِنَ الأنفسِ والأموالِ، والأعراضِ والأقوالِ، والأعمالِ والأفعالِ. فقدْ غَضِبَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -؛ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ وَحْي اللهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تُظْهِرُ فِي الإِسْلاَمِ الْسُّوْءَ فَقَالَ النَّبِيُّ: - ﷺ - (لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِي.
قُلْتُ: فَغَضِبَ مِنْ فِعْلِهَا، وَلَمْ يَتَجَاوَزِ الْوَحِي فِي أَمْرِهَا.
الْنَّوْعُ الْخَامِسُ: الْغَضَبُ غَيْرَةً للرَّحْمَنِ بِمَا يُخَالِفُ الْسُّنَّةَ وَالْقُرْآن.
قُلْتُ: فَالْغَضَبُ غَيْرَةً عَلَى حُرُمَاتِ الله؛ لاَ يُحِلُّ مَا حَرَّمَ الله؛ مِنَ الأَنْفُسِ وَالأَمْوَال، وَالأَعْرَاضِ وَالأَقْوَال وَالأَعْمَالِ وَالأَفْعَال.
فَقَدَ غَضِبَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ وَحْي ِ الله.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تُظْهِرُ فِي الإِسْلاَم ِ الْسُّوْءَ فَقَالَ الْنَّبِيُّ: - ﷺ - (لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ). رَوَاهُ الْبُخَارِي (١).
قُلْتُ: فَغَارَ مِنْ فِعْلِهَا، وَلَمْ يَتَجَاوَزِ الْوَحْيَ فِي أَمْرِهَا.
قُلْتُ: فَالْغَيْرَةُ لاَ تُحَرِّمُ حَلاَلا، وَلاَ تُحِلُّ حَرَامَا؛ وَمَنْ جَعَلَهَا مُبَرِّرَا، فَالأَمْرُ أَمْرًا مُنْكَرًا.
_________________
(١) البخاري رقم٤٨٩٨ج١٦ص٣٦٩كتاب الطلاق باب قول النبي - ﷺ - لو كنت راجمًا بغير بينة
[ ٢٣ ]
فَتَأَمَّلْ حَدِيْثَ الْنَّبِيِّ - ﷺ -: (لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بِينَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ). وَاعْلَمْ أَنَّ الْنَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَعْذُرْ صَاحِبَ الْغَيْرَه؛ في كَسْرِ صَحْفَةِ غَيْرِهِ.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ - ﷺ - فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: (غَارَتْ أُمُّكُمْ) ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ). رواه البخاري (١).
فَبِالْوَحْي ِ اضْبِطْ غَيْرَتَكَ حَتَّى لاَ تُهْلِكَكَ.
قُلْتُ: وَإنَّكَ لَتَعْجَبُ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ بِغَضَبِهِ مَا حَرَّمَ الله ُ؛ بِحُجَّةِ أَنَّ غَضَبَهُ غَيْرَةٌ لله.
الْنَّوْعُ الْسَّادِسُ: الْغَضَبُ للعَاطِفَةِ. العَاطِفَةُ عَاصِفَةٌ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنَ الْوَحْي كَاشِفَةٌ.
_________________
(١) البخاري رقم٤٨٢٤م (ج ١٦ / ص ٢٤٦) باب الغيرة.
[ ٢٤ ]
عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِي: - ﵁ - أَنَّ الْنَّبِيَّ - ﷺ - أُخبِرَ: (بِأَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَتَلَ مُشْرِكًا مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ في الْمَعْرَكَةِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا الله ُ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ لِمَا قَتَلَهُ، قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَوْجَعَ في الْمُسْلِمِيْنَ وَقَتَلَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرا ً، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى الْسَّيْفَ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا الله ُ. قَالَ رَسُوْلُ الله ِ - ﷺ - أقَتَلْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: (فَمَا تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ الله ُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟). قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ اسْتَغْفِرِ لِي. قَالَ: (وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَ الله ُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ: فَجَعَلَ لاَ يَزِيْدُهُ عَلَى أَنْ يَقَوْلَ: (وَكَيْفُ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَ الله ُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ اسْتَغْفِر لِي. قَالَ: (وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَ الله ُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ يُكُرِّرُهَا حَتَى تَمَنيَّتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْم ِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَاللفْظُ لَهُ.
فَالْصَّحَابَةُ - ﵃ - لَمَّا كَانَتِ الْعَاطِفةُ للوَحْيِ مُوَافِقَةً (قَاتَلُوا حتى لا تَكُونَ فِتْنَةً وَيَكُوْنَ الْدِّيْنُ للهِ).
وَغَيرُهُمْ: لَمَّا كَانَتِ الْعَاطِفَةُ للوَحْيِ مُخَالِفَةً (قَاتَلُوا لِتَكُونَ فِتْنَةً وَيَكُوْنَ الْدِّيْنُ لِغَيْرِ اللهِ).
_________________
(١) صحيح البخاري رقم٦٣٦٤ج٢١ص١٦١
(٢) صحيح مسلم رقم١٤٢ج١ص٢٦٠
[ ٢٥ ]
عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - أَتَاهُ رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالاَ إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، فَقَالا: أَلَمْ يَقُلْ الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لله، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ الله رواه البخاري (١)