(المتن)
فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُوْنَ ثَالِثٍ، لِأَنَّهُ يُوْجِبُ إِيْحَاشًا، وَكَسْرَ القَلْبِ.
(الشرح)
هذا من أدب التناجي والتخاطب بين الناس، وأصل هذه المسألة ما أخرجه صاحبا الصحيح، من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كانوا ثلاثةً، فلا يَتَنَاجَى اثنانِ دونَ الثالثِ» في هذه الأحاديث من الفوائد والأحكام تعليل الحكم فإن الحكم لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه.
فعُلِم أن كل شيء يجلب الحزن للمسلم أنه محرم، وعلم بالمفهوم أن كل شيء يدخل السرور على المسلم أنه مشروع ومستحب.
(المتن)
فَصْلٌ
وَيُسْتَحَبُّ اِفْتِتَاحُ الأَكْلِ بِبِسْمِ اللهِ، وَخَتْمُهُ بِالحَمْدُ للهِ. وَأَنْ يَأْكُلَ بِيَمِيْنِهِ مِمَّا يَلِيْهِ، إِذَا كَانَ الطَّعَامُ نَوْعًا وَاحِدًا. وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ذِرْوَةِ الطَّعَامِ لَكِنْ مِنْ جَوَانِبِهِ. وَكَذَلِكَ الكَيْلُ فَإِنَّهُ أَدْعَى لِلْبَرَكَةِ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِي السُّنَنِ. وَلَا يَنْفَخُ الطَّعَامَ الحَارَّ وَلَا البَارِدَ. وَلَا يُكْرَهُ الأَكْلُ والشُّرْبُ قَائِمًا، وَيُكْرَهُ مُتَّكِئًا.
وَإِذَا دَفَعَ إِنَاءَ الشَّارِبِ، أَوِ اللُّقْمَةَ، دَفَعَ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِيْنِهِ، كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ النَّبِيُ - ﷺ -.
(الشرح)
يستحب افتتاح الأكل: "ببسم الله". وختمه: "بالحمد لله".
فيفهم من كلام المؤلف هنا أنه يستحب افتتاح الأكل ببسم الله، ولو تركها لم يأثم،
[ ٢٩ ]
وهناك من قال: أن التسمية عند الأكل واجبة، وهذا هو الصحيح.
وصفة التسمية عند الطعام- على الصحيح-أن يقول: "بسم الله"؛ لأنه لم يجئ عن النبي ﵊ ما يدل على التكميل، بخلاف البسملة عند القراءة، ومما يُطلق عنده التسمية ولا تُكمَّل أيضًا عند الذبح، فتقول: "بسم الله"، وتضيف: "والله أكبر". وأما الختم بـ "الحمد لله" فهو مستحب ومؤكد.
ذكر هنا أدبين:
الأول: أن يأكل بيمينه، وهو من الواجبات فقد أمر به النبي - ﷺ - عمر بن أبي سلمة وكان ربيبه، قال: وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي - ﷺ -: «يا غلام سم الله وكل بيمينك».
قال المؤلف: (مما يليه إذا كان الطعام نوعًا واحدًا).
وهذا الأدب الثاني: وقد أدَبَّ به النبي - ﷺ - ربيبه عمر، فقال:
«وكل مما يليك» فعُلم من هذا أن الأكل مما يلي الإنسان، إذا كان الطعام واحدًا واجب، ولأن الأكل مِمَّا يلي الآخرين فيه أذية وشره ونهم، ويكفي أن الرسول - ﷺ - أمر به، أما إذا كان الطعام متنوعًا، فلا بأس من تخطي الطعام الأول إلى الثاني.
مسألة: يكثر عندنا الآن مسألة دفع اللحم، أو دفع الطعام للغير، ويفعلها الناس ابتغاء الكرم، كأن يقطع بعض الناس اللحم ويناولها غيره.
فمن أهل العلم من كره هذا؛ لأن هذه اللقمة أو الطعام قد مس اليد التي مست فم
[ ٣٠ ]
الشخص وقد يُتقزز من هذا؛ لأنه قد يعلق فيها شيء من اللعاب، فعلى كل حال يتنبه لمثل هذه الآداب؛ لأن بعض الناس يريد الخير لصاحبه، ولكن صاحبه لا يريد هذا الشيء، فنقول: رفقًا لأنه ليس كل أحد يحب هذا الشيء.
قوله: (ولا ينفخ الطعام الحار ولا البارد).
هذا أيضًا من آداب الأكل والشرب، أن الإنسان لا ينفخ في الطعام الحار لتبريده، والأصل في ذلك ما رواه الشيخان من حديث عبد الله ابن أبي قتادة عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء».
فالأحاديث تنقسم إلى قسمين: قسم فيه النهي عن التنفس في الإناء، وقسم فيه التنفس خارج الإناء.
أما الأشربة الساخنة، فقد جرت عادة الإنسان أنه لا يستطيع أن يشربه دفعةً واحدةً، كالشاي مثلًا، فمنهيٌ عن تبريدها بالنفخ بها.
واختلف في علة النهي عن النفخ في الشراب، فقيل: لأنه قد يقذِّر الطعام والشراب، فقد يخرج منه شيء فيقع على الطعام أو الشراب فيقذره.
قوله: (ولا يكره الأكل والشرب قائمًا)
فقد ثبت في الصحيحين من طريق الشعبي عن عبد الله بن عباس: أن النبي - ﷺ -: شرب من ماء زمزم قائمًا.
واختلف أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإباحة، فمن أهل
[ ٣١ ]
العلم من غلّب أحاديث الجواز وطعن في أحاديث النهي كما تقدم، ومنهم من قال: إن النهي كان متقدمًا والإباحة جاءت بعد، فهي منسوخة.
والقول الثالث، وهو: أصحها طريقة الجمع.
ويقال: إن أحاديث النهي جاءت على خلاف الأولى، وليست الكراهة فقط، وأحاديث الإباحة دلت على الجواز، وهذا أصح ما جاء في المسألة.
أما قول أنس - ﵁ - كما أخرجه مسلم، لما قيل له: فالأكل؟ فقال: أشر وأخبث، فلا أعلم أحدًا وافق أنسًا - ﵁ - على هذا، ولا أعلم أحدًا من أهل العلم كره الأكل قائمًا، والخلاف المعروف في الشرب، وهذا مذهب لأنس، وإلا فالأكل ليس أشر وأخبث، فهو أخف من الشرب بكثير، وليست المفسدة في الشرب موجودة في الأكل، للفرق بينهما.
قوله: (ويكره متكئًا).
الأصل في هذا ما رواه البخاري من حديث علي بن الأقمر عن أبي جحيفة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لا آكل متكئًا» (١).
وهذا الحديث فيه إخبار النبي ﵊ أنه لا يأكل متكئًا، وليس فيه صيغة نهي، وقد اختلف في معنى الاتكاء، فقال بعضهم: الاتكاء هو لكل متمكن من
_________________
(١) أخرجه أحمد (رقم: ١٨٧٧٦)، والبخاري (رقم: ٥٠٨٤)، أبو داود (رقم: ٣٧٦٩)، والترمذي (رقم: ١٨٣٠)، والنسائي (رقم: ٦٧٠٩)، وابن ماجه (رقم: ٣٢٦٢).
[ ٣٢ ]
جلسة يريد التكثر من الأكل على أي صفة كانت، وهذا تفسير الخطابي، يقول: أي لا أقعد متكئًا على وطاء عند الأكل فِعلَ من يستكثر من الطعام، وهذا أحد الأقوال، وعلى هذا لو تربع فهو متكئ على هذا التعريف، ولو جلس جلسة غير هذه وفيها التمكن والتكثر من الطعام فهو متكئ، فضلًا عن أنه يميل على أحد الشقين، فهذا اتكاء بلا إشكال.
وقيل: إن الاتكاء هو الميل على أحد الشقين؛ لأن هذا هو التعريف اللغوي، فعُلم بهذا أن الاتكاء ضرب من ضروب الجلوس، وفيه الميل، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا -ابن باز﵀.
وقد اختُلف في علة النهي عن الاتكاء.
فقيل: إنه مخافة أن تعظم البطن؛ كما روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه، عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تُكاة، مخافة أن تعظم بطونهم (١).
وظاهر إسناده لا بأس به.
وهناك قول آخر: بأن الاتكاء خلاف الأولى، لأن الحديث الذي في صحيح البخاري هو أصح شيء في الباب.
قوله: (وإذا دفع إناء الشُّرب أو اللقمة دفع إلى من على يمنيه، كذلك كان يفعل النبي - ﷺ -).
السنة إذا أتي بطعام يدور على مجموعة من الناس أنه يبدأ برئيس أو عالم أو والٍ أو
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٥٠٠٧).
[ ٣٣ ]
أكبر من في المجلس أو صاحب الدار، ثم بعد ذلك من على يمين الشارب، ويستوي في هذا أن يكون هذا الإناء به الطعام كاملًا؛ كإناء الشرب، أو يكون يسقيهم شيئًا فشيئًا؛ كما هي حال القهوة والشاي الآن، ودل على هذا خبر أنس - ﵁ - في الصحيحين، أنه قال: أُتي النبي - ﷺ - بلبن قد شِيب بماء فشرب، وعن يمينه أعرابي، وعن شماله أبو بكر - ﵁ -، ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن».
وفيه من الفوائد أن التفضيل هنا بالجهة لا بالأشخاص، فيفضل من على اليمين مطلقًا، ولو كان الذي على الشمال أفضل.
[ ٣٤ ]