(المتن)
فَصْلٌ
وَيَنْبَغِيْ لِلإِنْسَانِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيْ سِرِّ قَوْمٍ، وَلَا حَدِيْثٍ لَمْ يُدْخِلُوْهُ فِيْهِ.
وَلَا يَجُوْزُ الاسْتِمَاعُ إِلَى كَلَامِ قَوْمٍ يَتَشَاوَرُوْنَ. . وَمَنْ تَلَفَّتَ فِيْ حَدِيثِهِ فَهُوَ كَالمُسْتَوْدِعِ لِحَدِيْثِهِ، يَجِبُ حِفْظُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَلَفُّتَهُ يُعْطِيْ التَّفَلُّتَ وَالتَّفَزُّعَ.
(الشرح)
في هذا الباب مسائل:
روى البخاري في صحيحه في باب حفظ السر في كتاب الأدب عن المعتمر بن سليمان بن طرخان عن أبيه عن أنس - ﵁ -، قال: أَسَرَّ إلي النبي - ﷺ - سرًا فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني أم سليم فما أخبرتها به، وهذا كله من شدة حفظ أنس - ﵁ - لسر رسول الله - ﷺ -، وفي رواية لثابت البناني وكان من تلاميذ أنس - ﵁ - وكان أنس - ﵁ - يحبه واسمه ثابت بن أسلم البناني، وكان رجلًا صالحًا، قال: لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت.
وقوله: (ولا يجوز الاستماع إلى كلام قومٍ يتشاورون).
هذا كذلك من الآداب المتعلقة بحفظ السر، وإنما تشاوروا وانحازوا رغبةً في عدم اطلاع غيرهم على هذا الكلام، وحينئذٍ يكون الاستماع إلى هذا الحديث من المحرمات، والاستماع المراد به طلب السمع، فلا يجوز للإنسان أن يطلب سماع كلام قوم انحازوا عنه، وفي حديث أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس ﵂: أن النبي - ﷺ -، قال: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة»
[ ١٧ ]
رواه البخاري في كتاب التعبير، فهذه عقوبة من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، ويعرف كونهم كارهين بالقرائن أيضًا، أو بالقول، أو بالفعل، والآنك هو الرصاص المذاب، ويختص الرصاص من بين المعادن بأنه ثقيل، ومؤذي، وهذا يدل على أن الاستماع إلى حديث الآخرين من الكبائر إذا كانوا يكرهون ذلك.
ومن المسائل المهمة في السر:
أولًا: يجب حفظ السر ويحرم البوح به، واتفق أهل العلم على أنه إن كان في إفشائه مضرة على صاحب السر أنه لا يجوز إفشاؤه.
والسر عند كثير من الناس الآن لا قيمة له، لأنك قد تذكر هذا الكلام وتصرح به بأنه سر، ثم تفاجأ بالغد أن هذا على ألسنة الناس!!
ولهذا ينبغي أن ينظر الإنسان إذا أراد أن يستودع سرًا أن يستودعه إلى شخص ذي دين ومروءة وعقل، والحاجة داعية إلى الاستسرار.
[ ١٨ ]