جاء في ذلك عدة أخبار، فمنها حديث بريدة الذي أخرجه ابن أبي شيبة، ومن طريقه ابن ماجه، عن زيد بن حباب، عن أبي المنيب العتكي، عن ابن بريدة -وهو عبد الله بن بريدة- عن أبيه: أن النبي - ﷺ - نهى أن يقعد بين الظل والشمس» (١)، وأبو المنيب هو عبيد الله بن عبد الله العتكي، والصحيح أنه حسن الحديث.
ومنها أيضًا ما أخرجه أحمد في المسند عن بهز، وعفان، قالا: حدثنا قتادة، عن كثير بن أبي كثير، عن أبي عياض، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - نهى أن يجلس بين الضَّحِّ والظل، وقال: «مجلس شيطان» (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٥٧٢٨)، وابن ماجه (رقم: ٣٧٢٢).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ١٥٤٥٩) قال الهيثمي (٨/ ٦٠): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير كثير بن أبي كثير، وهو ثقة.
[ ٧٨ ]
وأخرجه الحاكم (١) أيضًا من طريق عبد الله بن رجاء الغداني دون قوله: «مجلس شيطان» وسمى الصحابي المبهم -الذي هو رجل من أصحاب النبي - ﷺ - سماه أبا هريرة، لكن التسمية هنا غير محفوظة؛ لأن بهز بن أسد العمي وعثمان بن الصفار خالفا عبد الله بن رجاء، فالصحيح أن الصحابي مبهم، وفي إسناده مقال.
وقد أخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو -﵄- أنه قال: القعود بين الظل والشمس مقعد الشيطان (٢).
مسألة: هل النهي عن الجلوس بين الشمس والظل للكراهة أو التحريم؟
بمجموع هذه الطرق الخبر لا بأس به، والذي يظهر لي أنه يكره كراهية شديدة، أو يحرم لأمور:
أولًا: نسبته إلى الشيطان.
ثانيًا: أنه يضر بالجسم، خصوصًا إذا اعتاده الإنسان، قال ابن القيم (٣): والنوم في الشمس يثير الداء الدفين، ونوم الإنسان بعضه في الشمس وبعضه في الظل رديء.
ثالثًا: وأيضًا فهو منافي للعدل بين الجوارح، فإما أن يكون جميع البدن في الشمس، أو في الظل، وهذا من كمال الشريعة، ولهذا نُهي عن المشي في نعل واحدة.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (رقم: ٧٧١٠) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (رقم: ٢٦٤٧٨).
(٣) زاد المعاد (٤/ ٢٤٣).
[ ٧٩ ]
فالحكمة من هذا أنه مشابه للشيطان، وأنه خروج عن الاعتدال، وقال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير على حديث بريدة: أراد بذلك العدل في الجسد كما نهي عن المشي في نعل واحدة عدلًا بين الرجلين.
ويشمل النوم والجلوس وكيفما كان، فلا يكون بين الشمس والظل، ومن أهل العلم من قال: أنك إذا جلست أنه إنما نهي عنه إذا قلص الظل عنه وبدأ يزحف، أما إذا جلست مباشرة بين الشمس والظل فلا بأس، وهذا ليس بصحيح، فإن هذا مصادم للنص.
مسألة: هل هذا يشمل الجالس في مجلس يجب عليه الجلوس فيه كالجالس لخطبة الجمعة؟ نعم، هذا يشمل كل جلوس، سواءً كان هذا الجلوس جلوسًا واجبًا، أو جلوسًا مستحبًا، أو جلوسًا مباحًا، فإنه يتحول ويكون هذا من الأمر الشرعي، فيتحول إذا قلص عنه الظل في مسجد مكشوف، أو في خارج المسجد، فيتحول قدر الاستطاعة.
[ ٨٠ ]