وهذا الحديثُ صريحٌ في أن أفضلَ ما تُطوِّعَ به من الصِّيام بعد رمضان صومُ شهر الله المحرم، وقد يَحتملُ أن يراد أنه أفضلُ شهرٍ تُطوِّعَ بصيامه كاملًا بعدَ رمضان. فأمَّا بعضُ التطوّع ببعضِ شهرٍ فقد يكون أفضل من بعضِ أيامه، كصيامِ يومِ عرفةَ، أو عشرِ ذي الحجة، أو ستةِ أيامٍ من شوالٍ، ونحو ذلك. ويشهد لهذا ما خرَّجه الإِمام أحمد (^٤) والترمذيُّ من حديث عليٍّ أن رجلًا أتى النَّبيَّ - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله، أخبرني بشهرٍ أصومُه بعدَ شهرِ رمضانَ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "إنْ كنْتَ صائمًا شهرًا بعدَ رمضانَ فصُمِ المحرمَ فإنه شهرُ اللهِ؛ وفيه يومٌ تاب اللهُ فيه على قومٍ ويتوبُ على آخرين" (^٥). وفي إسناده مقالٌ.
ولكن يقال: إنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يصومُ شهرَ شعبانَ، ولم ينقل [عنه] (^٦) أنَّه كان
_________________
(١) لفظة "فضل" سقطت من (آ). وفي ع: "فضائل".
(٢) قوله: "وعشره الأول" لم يرد في (آ).
(٣) رواه مسلم رقم (١١٦٣) في الصيام، باب فضل صوم المحرم، وعنده في آخره: "صلاة الليل" بدل "قيام الليل" كما ذكر المؤلف ﵀.
(٤) قوله: "الإمام أحمد" سقط من ب، ط.
(٥) رواه الترمذي رقم (٧٤١) في الصوم، باب ما جاء في صوم المحرم. ورواه أيضًا أحمد في "المسند" ١/ ١٥٤ - ١٥٥.
(٦) زيادة من ع، ش.
[ ٧٧ ]
يصوم المحرمَ، إنما كان يصوم عاشوراء. وقوله في آخر سنة: "لئن عِشْتُ إلى قابلٍ لأصومَنَّ التاسِعَ" (^١) يدُلُّ على أنه كان لا يصومُ التاسعَ قبلَ ذلك. وقد أجاب النَّاسُ عن هذا السؤال بأجوبةٍ فيها ضَعفٌ.
والذي ظهر لي - والله أعلم - أن التطوُّعَ بالصِّيام نوعان:
أحدهُما: التطوعُ المطلَقُ بالصومِ، فهذا أفضلُه المحرمُ، كما أن أفضلَ التطوّعِ المطلَقِ بالصَّلاةِ قيامُ الليل.
والثاني: ما صيامُهُ تبعٌ لصيامٍ رمضانَ قبلَه وبعدَه، فهذا ليس من التطوُّع المطلَقِ، بل صيامُه تبَعٌ لصيام رمضان، وهو ملتحِقٌ بصيام رمضانَ، ولهذا قيل: إنَّ صيامَ ستةِ أَيام من شهر شوال يلتحِقُ بصيامِ رمضانَ، ويُكْتَبُ بذلك لمن صامَها معَ رمضانَ صيامُ الدَّهر فرضًا. وقد رُوي أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهرَ الحُرُمَ، فأمرَهُ النَّبيُّ - ﷺ - بصيامِ شوال، فترك الأشهرَ الحُرُمَ وصام شوالًا (^٢). وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. فهذا النوعُ من الصِّيام يلتحِقُ (^٣) برمضانَ، وصيامُه أفضلُ التطوُّعِ مطلقًا. فأما التطوُّعُ المطلَقُ فأفضلُه صيامُ الأشهرِ الحُرُمِ. وقد رُوي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه أمَرَ رجلًا أن يصومَ الأشهرَ الحُرُمَ، وسنذكره في موضعٍ آخر إن شاء الله تعالى.
وأفضلُ صيامِ الأشهرِ الحُرُم (^٤) صيامُ شهر الله المحرَّمِ، ويشهَدُ لهذا أنه - ﷺ - قال في هذا الحديث: "وأفضَلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ قيامُ اللَّيلِ" (^٥)، ومرادُه بعد المكتوبة
_________________
(١) رواه مسلم رقم (١١٣٤) (٣٤) في الصيام، باب أي يوم يصام في عاشوراء؛ وابن ماجه رقم (١٧٣٦) في الصيام، باب صيام يوم عاشوراء؛ وأحمد في "المسند" ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ و٢٣٦ و٣٤٥.
(٢) رواه ابن ماجه رقم (١٧٤٤) في الصيام، باب صيام أشهر الحرم، وفيه محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني، وهو ممن أرسل عن أسامة بن زيد ﵁، ولم يدركه.
(٣) في ب، ش، ع، ط: "ملتحق".
(٤) لفظة "الحرم" سقطت من (آ).
(٥) وهو قطعة من حديث صحيح، رواه مسلم رقم (١١٦٣) (٢٠٢) و(٢٠٣) في الصيام، باب فضل صوم المحرم؛ وأبو داود رقم (٢٤٢٩) في الصوم، باب في صوم المحرم؛ والترمذي رقم (٤٣٨) في الصلاة، باب ما جاء في فضل صلاة الليل، والنسائي ٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧ في الصلاة، باب فضل صلاة الليل؛ وأحمد في "المسند" ٢/ ٣٤٢ و٣٤٤ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٧٨ ]
ولواحِقِها من سننِها الرَّواتبِ، فإنَّ الرَّواتِبَ قبلَ الفرائض وبعدَها أفضلُ من قيام الليل عند جمهور العلماءِ؛ لالتحاقِها بالفرائض. وإنما خالَفَ في ذلك بعضُ الشافعية. فكذلك الصِّيامُ قبلَ رمضانَ وبعدَه ملتحِقٌ برمضانَ، وصيامُه أفضَلُ من صيام الأشهر الحُرُمِ، وأفضَلُ التطوُّعِ المطلَقِ بالصِّيام صيامُ المحرَّمِ.
وقد اختلف العلماءُ في أي الأشهر الحُرُمِ أفضلُ، فقال الحَسَنُ وغيرُهُ: أفضلُها شهرُ اللهِ المحرَّمِ، ورجَّحَهُ طائفةٌ من المتأخرين. وروى وَهْبُ بن جَرِيْر، عن قُرَّةَ بن خالد، عن الحَسَن، قال: إن الله افتتح السَّنَةَ بشهر حَرام، وختمَها بشهر حَرام. فليس شهرٌ في السَّنةِ بعدَ شهرِ رمضانَ أعظم عند الله من المحرَّم، وكان يُسمى "شهرَ اللهِ الأصمَّ"؛ من شدَّة تحريمه. وقد روي عنه مرفوعًا ومرسلًا (^١)، قال آدم بن أبي إياس: حدثنا أبو هلال الراسبيّ، عن الحَسَن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أفضَلُ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ الصَّلاةُ في جَوْفِ الليل الأوسَطِ، وأفضَلُ الشهور بعدَ شهرِ رمضانَ المحرَّمُ، وهو شهرُ الله الأصَمُّ".
وخرَّج النسائي من حديث أبي ذَرٍّ، قال: سألتُ النَّبيَّ - ﷺ -: أيُّ الليل خيرٌ، وأي الأشهر أفضَلُ؟ فقال: "خيرُ الليل جَوْفُهُ، وأفضلُ الأشهرِ شهرُ الله الذي تدعونه المحرَّم". وإطلاقُه في هذا الحديث "أفضل الأشهر" محمولٌ على ما بعدَ رمضان، كما في رواية الحسن المرسلة. وقال سعيد بن جبير وغيرُه: أفضلُ الأشهرِ الحُرُمِ ذو القَعْدَة (^٢)، أو ذو الحِجَّةِ. بل قد قيل: إنه أفضلُ الأشهرِ مطلقًا، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وزعم بعضُ الشافعية أن أفضل الأشهرِ الحُرُمِ رَجَبٌ، وهو قولٌ مَردودٌ. وأفضلُ شهر الله المحرَّمِ عشرُهُ الأوَّلُ. وقد زعم يَمَانُ بن رِئاب (^٣) أنه العَشْرُ الذي أقسَمَ الله به
_________________
(١) في ع، ش: "مرسلًا" بلا واو.
(٢) قوله: "ذو القعدة أو "ساقط في آ، ش، ع، وهو في المطبوع وفي هامش نسخة (ب).
(٣) يمان بن رئاب، خراساني. قال الدارقطني: ضعيف، من الخوارج. (ميزان الاعتدال ٤/ ٤٦٠).
[ ٧٩ ]
في كتابه (^١)، ولكن الصحيح أن العشرَ المقسَمَ به عشرُ ذي الحِجَّةِ (^٢)، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو عثمان النَّهْدِيّ (^٣): كانوا يعظِّمون ثلاثَ عشراتٍ: العشرَ الأخيرَ من رمضان، والعشرَ الأولَ من ذي الحِجَّةِ، والعشرَ الأولَ من المحرَّمِ، وقد وقع هذا في بعض نسخ كتاب "فضائل العشر" (^٤) لابن أبي الدُّنيا، عن أبي عثمان، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ -: أنَّه كان يعظِّمُ هذه العشراتِ الثلاثَ، وليس ذلك بمحفوظٍ. وقد قيل: إنه العشرُ الذي أتمَّ اللهُ به ميقاتَ (^٥) موسى ﵇ أربعينَ ليلةً، وأن التَّكلُّمَ (^٦) وقع في عاشرِهِ.
ورُوي عن وَهْب بن منبّهٍ، قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن مُرْ قومَكَ أن يتقربوا (^٧) إليَّ في أول عشر المحرم، فإذا كان يومُ العاشرِ فليخرجُوا إليَّ أغفِرْ لهم.
وعن قتادة أن الفجرَ الذي أقسمَ الله تعالى به في أوَّل سورةِ الفجر هو فجرُ أولِ يومٍ من المحرَّمِ، تنفجرُ منه السَّنَةُ. ولما كانت الأشهرُ الحرُمُ أفضلَ الأشهرِ بعدَ رمضانَ أو مُطلقًا، وكان صيامُها كلِّها مندوبًا إليه، كما أمر به النبيُّ - ﷺ -، وكان بعضُها ختامَ السَّنةِ الهِلاليَّةِ، وبعضُها مفتاحًا لها، فمن صامَ شهرَ ذِي الحِجَّةِ سِوى الأيام المحرَّم صيامُها منه، وصامَ المحرَّمَ، فقد خَتَمَ السَّنَةَ بالطَّاعة وافْتَتَحَها بالطَّاعة، فيُرْجَى أن تكتبَ له سنتُه كلُّها طاعةً، فإنَّ مَن كان أولُ عملِه طاعةً وآخرُهُ طاعةً، فهو في حكم من استغرقَ بالطاعة ما بين العَمَلَيْن.
وفي حديثٍ مرفوعٍ: "ما من حافِظَيْن يرفعان إلى الله صحيفةً فيرى في أوَّلها
_________________
(١) في سورة الحجر الآية ٢؛ قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.
(٢) وهو قول ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف.
(٣) هو عبد الرحمن بن ملّ، بلام ثقيلة والميم مثلثة، بن عمر بن عدي البصري، مخضرم معمر، أدرك الجاهلية والإِسلام، وغزا في خلافة عمر، وبعدها غزوات، وكان من سادة العلماء العاملين. ثقة ثبت عابد، مات سنة ٩٥ هـ، وقيل بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل أكثر.
(٤) منه نسخة خطية في برلين رقم (١٠٢١٣)، وفي دار الكتب، فهرس ج ٧، ٦، ١٠٣، ٢٣٠.
(٥) في سورة الأعراف الآية ١٤٢؛ قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً …﴾ الآية.
(٦) في ش، ع: "التكليم".
(٧) في ب، ط: "يتوبوا".
[ ٨٠ ]
وفي آخرها خيرًا إلَّا قال الله لملائكته (^١): أُشْهِدُكم أَنِّي قد غَفَرْتُ لِعَبْدِي ما بين طَرَفيها" (^٢). خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه، وهو موجودٌ في بعض نسخ كتاب الترمذي.
وفي حديثٍ آخرَ مرفوعٍ: "ابنَ آدمَ اذكُرْني من أوَّلِ النَّهارِ ساعةً ومِن آخرِ النَّهارِ ساعةً اغفرْ لكَ ما بينَ ذلك، إلا الكبائرَ أو تتوبَ منها" (^٣). وقال ابن المبارك: مَن ختمَ نهارَه بذكرِ الله (^٤) كُتِبَ نهارُه كلُّه ذكرًا. يشيرُ إلى أن الأعمالَ بالخواتيم، فإذا كان البُداءَةُ والختامُ ذِكرًا فهو أولى أن يكون حكمُ الذكر شاملًا للجميع. ويتعيَّنُ افتتاحُ (^٥) العام بتوبةٍ نصوحٍ تمحو ما سلفَ من الذُّنوبِ السالفةِ في الأيام الخالية.
قطعْتَ شُهورَ العَامِ لَهْوًا وَغَفْلَةً … ولم تحترِمْ فيما أتيتَ المُحَرَّما
فلا رَجَبًا وافيْتَ فيهِ بحقِّهِ … ولا صُمْتَ شهرَ الصَّومِ صَوْمًا مُتمَّما
ولا في لياليْ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ الذي … مَضَى كُنْتَ قوَّامًا ولا كُنْتَ مُحْرِمَا
فهلْ لكَ أنْ تَمحُوَ الذُّنوبَ بِعَبْرَةٍ … وتبكِي عليها حَسْرَةً وَتَنَدُّما
وتَسْتَقبِلَ العامَ الجَديدَ بتوبةٍ … لعلَّكَ أن تمحو بها ما تَقَدَّما
وقد (^٦) سمَّى النبيُّ - ﷺ - المحرَّمَ شهرَ اللهِ. وإضافته إلى الله تدُلُّ على شرفه وفَضْلِهِ، فإنَّ الله تعالى لا يضيفُ إليه إلا خواصَّ مخلوقاته، كما نسَبَ محمدًا وإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ وغيرَهم من الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - إلى عبوديته، ونسَبَ إليه بيته (^٧) وناقته.
_________________
(١) في آ، ع: "للملائكة".
(٢) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٠٨ من حديث أنس بن مالك بلفظ مقارب، وقال: "رواه البزار، وفيه تمام بن نجيح، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٣) رواه الطبراني عن ابن عمر، وليس فيه لفظ "إلا الكبائر أو تتوب منها". الكنز برقم (٢١٥٢٤). وأخرح أبو نعيم في "الحلية" ٨/ ٢١٣ عن محمد بن صبيح، عن جبير، عن الحسن، عن أبي هريرة: "ابن آدم! اذكرني بعد الفجر وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما". قال أبو نعيم: غريب من حديث الحسن عن أبي هريرة، لم يروه عنه إلا جبير.
(٤) لفظ الجلالة لم يرد في ب، ش، ع، ط.
(٥) في آ، ش، ع: "استفتاح".
(٦) من هنا وحتى قوله: "وهو الصيام" ورد في آ قبل الأبيات.
(٧) في آ: "بيته وما فيه". وأراد ببيته بيتَ الله المحرَّم؛ قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وأراد بناقته ناقة الله؛ قال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾.
[ ٨١ ]
ولما كان هذا الشهرُ مختصًّا بإضافته إلى اللهِ تعالى، وكان الصِّيامُ من بين الأعمالِ مضافًا إلى اللهِ تعالى؛ فإنَّه له من بين الأعمال، ناسَبَ أن يختصَّ هذا الشهرُ المضافُ إلى الله بالعملِ المضاف إليه، المختصِّ به، وهو الصِّيامُ.
وقد قيلَ في معنى إضافة هذا الشهرِ إلى الله ﷿: إنه إشارةٌ إلى أن تحريمَه إلى الله ﷿ ليس لأحدٍ تبديلُهُ، كما كانتِ الجاهليةُ يُحِلُّونه ويُحرِّمُونَ مكانه صَفَر، فأشارَ إلى أنه شهرُ اللهِ الذي حرَّمَهُ، فليس لأحدٍ من خَلْقِه تبديلُ ذلك وتغييرُه.
شهرُ الحَرَامِ مُبَاركٌ مَيْمُونُ … والصَّومُ فيهِ مُضَاعَفٌ مَسْنُونُ
وثوابُ صائمِهِ لوجهِ إلهِهِ … في الخُلْدِ عندَ مَليكِهِ مَخْزُونُ
الصِّيامُ سرٌّ بينَ العبدِ وبين ربِّهِ، ولهذا يقولُ اللهُ ﵎: "كلُّ عملِ ابن آدمَ له إلَّا الصَّومَ فإنَّه لي وأنا أَجْزِي به، إنَّه تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي" (^١). وفي الجنة بابٌ يقال له "الرَّيَّانُ" لا يدخلُ منه إلَّا الصائمون، فإذا دخلوا أُغلِقَ فلم يدخلْ منه غيرُهم (^٢)، وهو جُنَّةٌ (^٣) للعبد من النَّارِ كجُنَّةِ أحدِكم (^٤) من القتال.
وفي المسند عن النبي - ﷺ -، قال: "مَنْ صامَ يومًا ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالى بَعَّدَه اللهُ من نارِ جهنَّمَ كبعدِ غُرابٍ طارَ وهو فرخٌ حتى ماتَ هَرِمًا" (^٥). وفيه أن أبا أمامةَ قال للنبي - ﷺ -: أوصني، قال: "عليك بالصَّوْمِ فإنَّهُ لَا عِدْلَ له" (^٦)، فكان أبو أمامةَ وأهلُه يصومون، فإذا رؤي في بيتهم دُخانٌ بالنَّهارَ عُلِمَ أنه قد نزل بهم ضيفٌ. وممن سَرَدَ (^٧) الصومَ عُمَرُ وأبو طلحةَ وعائشةُ وغيرُهم من الصحابة، وخلْقٌ كثيرٌ من السَّلفِ. وممن
_________________
(١) رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، وله روايات عدة. انظر "جامع الأصول" ٩/ ٤٥٠.
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١١٥٢) في الصيام، باب فضل الصيام، عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ في الجنّة بابًا يقال له الرَّيَّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم. يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أُغلِق فلم يدخل منه أحد".
(٣) الجُنَّةُ: الوقاية. وفي الحديث: "الصوم جُنَّة"، أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشَّهوات. (النهاية ١/ ٣٠٨).
(٤) في آ: "أحدهم".
(٥) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٥٢٦، من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٦) قطعة من حديث رواه الإِمام أحمد في "المسند" ٥/ ٢٤٩، ٢٥٥، ٢٥٨، ٢٦٤ من حديث أبي أمامة ﵁.
(٧) سَرَدَ: تابَعَ.
[ ٨٢ ]
صام الأشهرَ الحرُمَ كلَّها ابنُ عمرَ والحسنُ البصريُّ وغيرُهما. قال بعضهم: إنما هو غَداءً وعَشاءٌ، فإن أخَّرْتَ غَداءَك إلى عشائكَ أمسيْتَ وقد كُتِبْتَ في ديوان الصائمين.
"للصائم فَرْحَتان (^١): فَرْحَةٌ عند فِطرِه، وفرحةٌ عند لقاءِ ربِّه" إذا وجد ثوابَ صيامه مدخورًا. سمِعَ بعضُهم مناديًا ينادي على السَّحُورِ في رمضان: ياما خبَّأْنا للصُوَّام، فانتبَه لذلك (^٢) وسَرَدَ الصوم. ورُوي أن الصائمين توضَعُ لهم مائدةٌ تحت العرش، فيأكلون والناسُ في الحسابِ، فيقولُ الناسُ: ما بالُ هؤلاء يأكلون ونحنُ نحاسَبُ؟ فيقالُ: كانوا يَصُومونَ وأنتمَ تُفْطِرون. وروي أنَّهم يُحكَّمُونَ في ثمارِ الجنَّة والناسُ في الحساب.
رَوَى ذلك ابنُ أبي الدنيا في "كتاب الجوع" (^٣). قال الله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤). وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (^٥). قال مجاهدٌ وغيرُه: نزلت في الصُّوَّامِ. من تركَ لله طعامَه وشرابَه وشهوتَه عوَّضه اللهُ خيرًا من ذلك طعامًا وشرابًا لا ينفَدُ، وأزواجًا لا تموتُ.
وفي التوراة: طُوبَى لمن جَوَّعَ نفسَه ليومِ الشبَعِ الأكبرِ، طُوبَى لمن ظمَّأَ نفسَه ليومِ الرِّيِّ الأكبرِ، طُوبَى لمن تَرَك شهوةً حاضرةً لموعدِ غَيبٍ لم يَرَه، طُوبَى لمن تَرَك طعامًا ينفَدُ في دارٍ تنفَدُ، لدارٍ ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (^٦):
مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الجِنانِ … فَلْيَذَرْ عنهُ التَّوانِي
وَلْيَقُمْ في ظُلْمَةِ اللَّيـ … ـلِ إلى نُورِ القُرانِ
_________________
(١) في ش: "فرحتان يفرحهما". وهو قطعة من حديث رواه مسلم رقم (١١٥١) (١٦١) في الصيام، باب فضل الصيام.
(٢) في ش، ع: "بذلك".
(٣) منه نسخة خطية في دار الكتب الظاهرية بدمشق، مجموع رقم (٨٩).
(٤) سورة الأحزاب الآية ٣٥.
(٥) سورة الحاقة الآية ٢٤.
(٦) سورة الرعد الآية ٣٥، وتمامها: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.
[ ٨٣ ]
وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصَوْمٍ … إنَّ هذا العيشَ فاني
إنَّما العيشُ جِوارُ … اللهِ في دارِ الأمَانِ
كان بعضُ الصالحين يُكثرُ الصومَ، فرأى في منامِهِ كأنَّه دخلَ الجنةَ، فنُودِي من ورائِهِ: يا فلان، تذكُرُ أنكَ صُمتَ لله يومًا قطّ؟ قال: إي واللهِ، يومٌ ويومٌ ويومٌ، فإذا صوانيّ (^١) النِّثار قد أخذتْه يَمْنةً ويَسْرَةً. كان بعضُ الصالحين قد صامَ حتى انحنَى وانقطع صوتُه، فماتَ فرُئي بعض أصحابه في المنام، فسُئِل عن حالِه، فقال:
قَدْ كُسِي حُلَّةَ البَهاءِ وطافَتْ … بالأباريق (^٢) حَوْلَه الخُدَّامُ
ثم حُلّي وقيلَ يا قارِيَ ارْقَه (^٣) … فلَعَمري لَقَدْ بَرَاكَ (^٤) الصِّيامُ
صام بعضُ التابعين حتى اسودَّ من طولِ صيامه. وصام الأسودُ بن يزيدَ (^٥) حتى اخضرَّ جسمُه واصفرَّ (^٦)، فكان إذا عُوتِبَ في رفقِهِ بجسدِه يقولُ: كرامَةَ هذا الجسد أريدُ. وصام بعضهم حتى وجدَ طعم دماغِه في حَلْقِهِ. كان بعضهم يَسرُدُ (^٧) الصَّوْمَ، فمرِضَ وهو صائمٌ، فقالوا له: أفطرْ، فقال: ليس هذا وقتُ تركِ الصيام (^٨). وقيل لآخرَ منهم وهو مَريض: أفطرْ، فقال: كيف أفطرُ وأنا أسيرٌ لا أدري ما يُفعل بي.
مات عامِرُ بن عبد الله بن الزُّبير وهو صائمٌ ما أفطَر. ودخلوا على أبي بكر بن أبي مريم وهو في النَّزْعِ، وهو صائمٌ، فعرضوا عليه ماءً ليُفطِرَ، فقال: أغربتِ الشَّمْسُ؟ قالوا: لا، فأبَى أن يُفطِرَ، ثم أَتوه بماءٍ وقد اشتدَّ نَزْعُهُ، فأومأ إليهم: أغربتِ الشمس؟ قالوا: نعم، فقَطَّرُوا في فيهِ قطرةً من ماءٍ ثم مات. واحتُضِرَ إبراهيمُ ابنُ هانئٍ صاحبُ الإمام أحمد وهو صائمٌ، وطلبَ ماءً، وسأل: أغربتِ الشمسُ؟
_________________
(١) الصَّواني: الأواني، منسوبة إلى الصين. والنِّثار: ما ينثر من الجوز واللوز والسكَّر، وكذلك نثر الحب إذا بُذر. ونُثَار الخِوان: الفُتات المتناثر حوله. وفي ب، ط: "صواني النتار" بالتاء.
(٢) في ش، ع: "وأطافت بأباريق"، وفي آ: "وأطافت بأباريق"، والمثبت من ب، ط.
(٣) في آ، ش: "ارقا".
(٤) براك: هزلك.
(٥) في ش، ع: "زيد". وهو الأسود بن يزيد بن قيس النَّخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الفقيه، العابد، كان يصلي في اليوم والليلة سبعمائة ركعة، واستسقى به معاوية فسقوا. مات سنة ٧٥ هـ، وقيل غير ذلك. (التقريب ١/ ٧٧ وشذرات الذهب ١/ ٣١٣ طبع دار ابن كثير).
(٦) لفظ: "أصفر" ساقط في آ.
(٧) يسرد الصوم: أي يتابع الصيام.
(٨) لفظ "الصيام" لم يرد في ب، ش، ع، ط.
[ ٨٤ ]
فقالوا: لا، وقالوا له: قد رُخِّصَ لكَ في الفَرْضِ وأنتَ متطوِّعٌ، قال: أجل، امهلوا (^١)، ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (^٢)، ثم خرجَتْ نفسُه وما أفطَرَ.
الدنيا كلُّها شهرُ صيام المتقين، وعيدُ فِطرِهم يوم لقاءِ ربِّهم، ومعظمُ نهار الصيام قد ذَهَبَ، وعيدُ اللِّقاءَ قد اقترَبَ.
وقَدْ صُمْتُ عن لذَّاتِ دَهْرِيَ كلِّها … ويومَ لقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامي
ولما كان الصِّيامُ سرًّا بينَ العبدِ وربِّه اجتهدَ المخلصون في إخفائه بكلِّ طريقٍ، حتى لا يطَّلِعَ عليهم (^٣) أحدٌ. قال بعضُ الصالحين (^٤): بلغنا عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: إذا كان يومُ صَوْمِ أحدِكم فَلْيَدْهُنْ لحيتَه ويمسَحْ شَفتيهِ من دُهنِه، حتى ينظرَ إليه الناظِرُ فيظنَّ أنه ليسَ بصائم. وعن ابن مسعودٍ ﵁، قال: إذا أَصْبَحَ أحدُكم صائمًا فليترجَّلْ، يعني يُسرِّحُ شَعرَه ويَدْهُنه؛ وإذا تصدَّق بصدقةٍ عن يمينِهِ فليُخْفِها عن شمالِه، وإذا صلَّى تطوعًا فليُصلِّ داخلَ بيته. (^٥). وقال أبو التَّيَّاح (^٦): أدركتُ أبي ومشيخةَ الحيِّ، إذا صام أحدُهم ادَّهَنَ ولبِسَ صالحَ ثيابِه.
صام بعضُ السَّلَفِ أربعين سنةً لا يَعلمُ به أحدٌ؛ كان له دُكَّانٌ (^٧)، فكان كلَّ يوم يأخذ من بيتِه رغيفينِ، ويخرجُ إلى دكَّانِه، فيتصدَّقُ بهما في طريقه، فيظُنُّ أهلُه أنه يأكلهما في السوقِ، ويظُنُّ أهلُ السوقِ أنه قد أكلَ في بيته قبل أن يجيءَ. اشتهر بعضُ الصالحين بكثرة الصِّيامِ فكان يقومُ يومَ الجمعة في مسجد الجامعِ فيأخذُ إبريقَ الماءِ (^٨)، فيضعُ بُلْبُلَتَهُ (^٩) في فيه ويمتصُّها والنَّاسُ ينظرون إليه ولا يَدْخُلُ حلقَه منه شيءٌ؛ لينفيَ عن نفسِه ما اشْتُهر به من الصَّوم.
_________________
(١) في ب، ط: "قال: امهل".
(٢) سورة الصافات الآية ٦١.
(٣) في ب، ط: "عليه".
(٤) في ش، ع: "بعض السلف".
(٥) شطره الأول من حديث مرفوع، في صحيح البخاري، في الصوم: باب اغتسال الصائم.
(٦) هو يزيد بن حُميد الضُّبَعي البصري، أبو التَّيَّاح، مشهور بكنيته، ثقة ثبت. مات سنة ١٢٨ هـ.
(٧) الدُّكَّان: الحانوت، فارسي معرب.
(٨) في آ: "فيأخذ الإِبريق".
(٩) بُلْبُلَةُ الإِبريق: قناته التي يَنْصَبُّ منها الماء.
[ ٨٥ ]
كم يسترُ الصَّادقون أحوالَهم وريحُ الصِّدْقِ ينُمُّ عليهم.
ما أَسرَّ أحدٌ سَريرةً إلا ألبسَهُ اللهُ رداءَها علانِيةً.
كم أكتُمُ حُبَّكُم عن الأغيارِ … والدَّمعُ يُذيعُ في الهوَى أسراري
كم أستُركم هتكتمُوا أستارِي (^١) … مَن يُخفي في الهوَى لهيبَ النَّارِ
ريحُ (^٢) الصائم (^٣) أطيبُ عند الله من ريحِ المسك، فكلَّما اجتهَدَ صاحبُه على إخفائه فاحَ ريحُه للقلوبِ فَتَسْتَنشِقُه الأرواحُ، وربَّما ظهرَ بعدَ الموت ويومَ القيامةِ.
فكاتِمُ الحُبِّ يَوْمَ البَيْنِ مُنْهَتِكٌ … وصاحِبُ الوَجْدِ لا تخفَى سَرائرُهُ
ولمَّا دُفنَ عبدُ الله بنُ غالب (^٤) كان يفوحُ مِن ترابِ قبرِه رائحةُ المِسْكِ، فرؤي في المنامِ، فسُئل عن تلك الرائحةِ التي توجدُ من قبرِه، فقال: تلكَ رائحةُ التلاوة والظَّمأِ.
وجاء في حديثٍ مرفوعٍ: "يخرُجُ الصائمونَ مِن قُبُورِهم يُعرَفونَ بريحِ صيامِهم؛ أفواهُهُم أَطيبُ مِن رِيحِ المِسْكِ".
وَهَبْنِي كَتَمْتُ السِّرَّ أو قُلْتُ غيرَهُ … أتخفَى على أهلِ القُلُوبِ السَّرائرُ
أَبَى ذَاكَ أن السِّرَّ في الوجهِ ناطِقٌ … وأنَّ ضميرَ القلبِ في العينِ ظاهِرُ
* * *
_________________
(١) في ط: "أسراري".
(٢) لفظة "ريح" سقطت من آ.
(٣) في آ: "الصيام".
(٤) عبد الله بن غالب الحُدَّاني البصري، العابد، صدوق، قليل الحديث، قتل مع ابن الأشعث سنة ٨٣ هـ. (انظر خبره في صفة الصفوة ٣/ ٣٣٤).
[ ٨٦ ]